مسجد قرطبة الجامع
مهد مولد جامعات الغرب الأوربية ومنار نشأة جامعات الشرق الإسلامية
بقلم د.سيد كريم
• أختار الأوربيون مدريد عاصمة أسبانيا لتكون عاصمة أوروبا الثقافية أو عاصمة الثقافة الأوربية عام 1992 لأن مدريد تختلف من حيث شخصتيها عن العواصم الأوربية الأخرى ولأن العرب كان لهم دور كبير فى ازدهارها ونشاطها قبل ظهور الثقافة الأوربية الجامعية.
فالعرب تربطهم علاقات تاريخية قديمة بالأسبان ويقول أحد علماء الاسبان إن اللغة الأسبانية هى حلقة الاتصال بين أسبانيا والعرب من جهة أخرى عن طريق الحضارة الاسلامية الأندلسية التى عبرت أوروباعن طريق أسبانيا على حين أن الأسبان بدأوا فى تعلم اللغة العربية منذ القرن الثامن عشر وأنشأوا أقساما للغة العربية وأدايها فى الجامعات ودرسوها فى قسمى التاريخ والأثار.
فالاسبانيون يعترفون فى كتاباتهم ودراساتهم وأبحاثهم ومؤتمراتهم بالدور المشرف للاسلام واسهاماته فى التكوين الثقافى لأوروبا وحضارتها الحديثة.
فأسبانيا مقتنعه تماما بدور الإسلام فى تكونيها التاريخى والثقافى والحضارى.
البحث عن الحقيقة
• أين هى الحقيقة فى علاقة العرب بالاندلس ودور تلك العلاقة فى نشر الثقافة فى أوروبا ونشأة الجامعات الأوربية ؟ ذلك الدور الذى مهد للاعتراف بمدريد كعاصمة للثقافة الأوربية؟
بدأت علاقة العرب بالأندلس عندما نجح عبد الرحمن الداخل عام 756م فى تأسيس خلافة أموية فى الأندلس ظلت حاكمة ما يقرب من ثلاثمائة عام ، تحت الخلافة الأموية ورعايتها أينع أسلوب فنى عظيم مسمى بالأسلوب الإسلامى الأندلسى وكان مركز هذا الأشعاع المسجد الكبير الذى أقامة العرب فى قرطبة وأطلق عليه أسم المسجد الجامع "والذى أتخذت منه الجامعات أسمها".
يعتبر مسجد قرطبة الجامع أو جامعة قرطبة التى خرجت إلى حيز الوجود عام 170هـ / 786م أول جامعة شهدها عالم الغرب وكانت تسمى بالجامع الأعظم دار العلوم ومجمع العلماء وكعبة المعرفة.
يعد جامع قرطبة أكبر المساجد الإسلامية فى الأندلس وثالث المساجد الإسلامية الكبرى فى الإسلام بعد مسجدى سامراء وإبى دلف . كانت مساحة مسجد قرطبة المتوازى الأضلاع حيث يبلغ طوله من الشمال إلى الجنوب فى اتجاه القبلة 178 مترا وعرضه من الشرق إلى الغرب حيث أبواب مداخله المتعددة 125 مترا وتبلغ مساحته الكلية 32500 متر مربع وهو مايغطى مساحة قدرها خمسة أفدنة بينما كانت مساحة كل من مسجدى سامراء وأبى دلف 28000 متر مربع على التوالى.
أشهر المساجد
ويعد مسجد قرطبة من أحفل مساجد الإسلام تاريخا وأكثرها أهمية معمارية فى كلتا الناحيتين الانشائية والزخرفية بجانب تجانس مراحل تنفيذه واندماج الزيادات التوسعية فى التكوين الأصلى.
تبدأ قصة بناء جامع قرطبة عندما انتصر عبد الرحمن الداخل فى فتح قرطبة وأصبح أميرا على الأندلس وجعل من قرطبة عاصمة لملكة وبنى لنفسه قصر الرصافة ثم قام بتحويل كنيسة قرطبة إلى مسجد للمسلمين بعدما عوض أصحابها بمبلغ كبير من المال وأقطعهم أرضا شاسعة لبناء كنيسة جديدة خارج المدينة ثم شرع فى بناء مسجده العظيم سنة 169هـ / 785م.
مات عبد الرحمن الداخل الذى لقب بعبد الرحمن الأول قبل أن ينتهى من إتمام بناء المسجد فقام ابنه هشام بن عبد الرحمن بإتمام بنائه وتوسعاته عام 787م وحقق أمنية والده فى إتمام إقامة مالا يقل عن أربعمائة مسجد وبيت للعلم والصلاة لنشر الثقافة الإسلامية الدينية والعلمية بين مختلف طبقات الشعب فى أنحاء البلاد.
وجعل اللغة العربية لغة التدريس فى المدارس والمعاهد الأمر الذى أدى الى دخول النصارى واليهود فى الإسلام وخاصة من انضموا للتعليم الجامعى بالجامع الكبير أو جامعة قرطبة.
مر بناء مسجد قرطبة الكبير خلال أربع مراحل.
قام بالزيادة الأولى أو المرحلة الثانية عبد الرحمن الثانى ومات عبد الرحمن زخرفة البناء القديمة التى اشتهر بها المسجد والنقوش الزخرفية كما سجل أعماله على أحد الأبواب الجانبية أسوة بمن سبقوه فى إقامة الأعمال الإنشائية والزخرفية عبر مراحل التنفيذ المختلفة.
ولقد تضاعفت مساحة بيت الصلاة فى تلك المرحلة بعد هدم جدار القبلة وزيادة المسجد فى جهتها كما أقام أول مئذنة للمسجد على قواعد برج الكنيسة القديمة الذى تهدم.
مسجد قرطبة الكبير
مراحل التنفيذ
عبد الرحمن الأول 786م
عبد الرحمن الثانى 848م
الحكم بن عبد الرحمن 961م
المنصور بن عامر 987م
تمت المرحلة الثالثة فى توسعة المسجد فى عهد الحكم الثانى عام 961م حيث هدم جدار القبلة للمرة الثانية وتم نقلة مسافة أربعين مترا فى اتجاهها وعمل له محرابا جديدا وأكمل القبة الرئيسية الواقعة أمامه والتى تستند على سلسلة من الأضلاع المتقاطعة والتى امتد استعمالها فى عمارة الغرب ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ولما ضاق المسجد للمرة الرابعة بما يؤديه من خدمات للمصلين ولرسالة العلم التى يقوم بها شرع المتصور بن أبى عامر عامل هشام بن الحكم عام 377هـ/987م فى زيادته وتمت الزيادة فى شرق المسجد بطول المراحل الثلاثة الأولى.
دور نشط فى نشر اللغة العربية
يقول المستشرق دوزى كان الفضل لجامعة قرطبة وشبكة المساجد والمعاهد التى تشرف عليها. كان لها الفضل فى نشر اللغة العربية بين الكثير من الأسبان وسارع الكثير من أهل البلاد إلى اعتناق الإسلام طواعية دون ضغط أو اضطهاد مما كان له أكبر الأثر فى احتواء قاموس اللغة الأسبانية الحديثة على أكثر من خمسة آلاف كلمة عربية.
كما يذكر نفس المؤرخ دور الثقافة الإسلامية فى الأندلس فى ازدهار المجتمع ثقافيا وسياسيا مما كان له دور فعال فى تمتع الشعوب المسيحية بالحرية والاستقلال وتحرير الفلاحين من العبودية حيث كان الإسلام أكثر تمضيدا لتحرير الرقيق من النصرانية مما كان سببا فى إزدهار الزراعة والعمال وانتقل أثرها إلى البلاد الأوربية المسيحية الأخرى.
وكان الفضل فى تلك النهضة لجامعة قرطبة التى أرست تعاليم الإسلام وتشاريعه فى دعم الهيكل السياسى للحكم.
اشتهرت جامعة قرطبة بعلوم الكيمياء والطب والطبيعة والهندسة والفلك والحساب والترجمة والشعر والأدب والفنون والموسيقى بجانب الفقة والتشريع فكان الرهبان يفدون من كل أوروبا للتعلم والدراسة فى جامعة قرطبة لينقلوا لبلادهم أحدث ما وصل إليه العلم فى ذلك الوقت.
انطلاق إلى العالمية
ومن جامعة قرطبة تخرج علماء الغرب الذين وضعوا حجر الأساس فى إنشاء الجامعات العالمية الأولى فى مختلف أنحاء القارة الأوربية ونقلوا نظم التدريس ومناهج العلوم ونوعيات موادها التى كانت جديدة عليهم إلى الجامعات التى أقاموها
كانت جامعة قرطبة تحوى أكثر من أربعمائة ألف مجلد ومخطوط وكتاب فى مختلف العلوم والفنون والأداب من بينها الكثير من المخطوطات باللغات القديمة التى كان العرب يجمعونها فى غزواتهم ويقومون بترجمتها وتدارك اسرارها وفك رموزها والغازها لقد انتقلت تلك التراجم العالمية إلى عالم الغرب عن طريق الترجمات العربية كما انتقل الكثير من تلك المخطوطات القديمة ومجلداتها وتراجمها التى جمعها العرب ... انتقلت من جامعة قرطبة الى الجامعات الأوربية ومتاحقها بعد خروج العرب من الأندلس.
جامعة قرطبة والزى الجامعى
ومما هو جدير بالذكر أن علماء الغرب وأساتذة جامعاته قدر لهم أن يعترفوا رغم إدارتهم بفضل العرب والإسلام على ما يحصلون عليه من علم وما نالوه من درجاته.
فحافظوا على تقاليد جامعة قرطبة بارتداء الزى الذى فرضته عليهم وهو الروب الجامعى الأسود اللون - العباءة العربية عباءة طبقة العلماء العرب ذات الوشاح الاخضر رمز الإسلام وهو الروب الذى كان يهدى لخريجى جامعة قرطبة عند حصولهم على درجة الأستاذية أو العالمية.
أما غطاء الرأس المربع الشكل الذى يحمله أساتذة الجامعات مع الروب الجامعى الأسود فهو أبدوره من التقاليد التى كان معمولا بها فى جامعة قرطبة.
فعندما يتقدم الطالب لتسلم شهادة التخرج يتحتم عليه أن يضع المصحف الشريف فوق رأسه ويردد القسم وهو يضع كفه فوق المصحف اعترافا بفضل كتاب الله – المصحف الشريف على ما وهبة الله من العلم.
كانت تعلو منصة العلم بالجامعة لوحة رخامية تحمل الآية الكريمة " يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات"
وقد وجدت تلك الآية منقوشة على إحدى شهادات التخرج التى كانت تصدرها جامعة قرطبة وترجع إلى عام 89 م ويحتفظ بها متحف إحدى الجامعات البريطانية.
ولم يتوقف دور جامعة قرطبة التى حملت رسالة الثقافة خلال ثلاثة قرون من عمر الزمان أفسحت فيها المجال لنشأة الجامعات فى مختلف الدول الأوربية بل انتقلت شعلتها لتصبح منارا يمهد الطريق لقيام المساجد الجامعة فى العالم الإسلامى امتدادا من المحيط إلى الخليج وتعبره إلى البلاد الآسيوية فتقام المساجد الجامعة أو الجامعية التى ترفع راية العلم والإيمان فتظهر جامعة القرويين فى أقصى الغرب وأصفهان ودلهى فى أقصى الشرق.
فى مقدمة تلك المساجد الجامعة التى اقتغت خطوات قرطبة سواء فى تخطيطها المعمارى ودورها فى نشر الثقافة العلمية الإسلامية . وتعمل على جمع شمل البلاد العالم الإسلامى وتقوية الروابط الاجتماعية والاقتصادية بين الشعوب بتوحيد العناصر الثقافية وارتباطها بالعقيدة الإسلامية أى الربط بين العلم والإيمان تبدأ تلك السلسلة من المساجد الجامعة بمسجد قيروان فى تونس أول مسجد أقيم فى شمال أفريقيا ويعد أول مسجد أقيم فى شمال أفريقيا ويعد مسجد قيروان فى تونس أقدم المساجد الجامعة فقد بدأ العمل فى بنائه الأمير هشام عام 109 هـ / 727 م أى قبل بناء مسجد قرطبة نفسه ولكن بناءه لم يتم إلا عام 836 م أى مع مسجد قرطبة فى الأندلس.
كان فى المرحلة الأولى من بنائه قد أعد كمسجد للصلاة فقط وعلوم الفقة والشريعة ثم تحول إلى مسجد جامع تقليداً لمسجد قرطبة فى القرن التاسع بعد توسعته ومضاعفة مساحته الأصلية.
أما المساجد الجامعة أو الجامعات الإسلامية التى حملت رسالة جامعة قرطبة إلى العالم الإسلامى لتمتد فى المحيط إلى الخليج وتعبره إلى البلاد الأسيوية فيمكن حصرها فيما يلى :
جامعة قيروان تونس 724 – 836 م
جامعة القرويين فاس 1136
جامعة تلمسان (الجزائر) 1096
جامعة الأزهر (مصر) 969
جامعة سمرقند (إيران) 890
جامعة أصفهان 1150
جامعة دلهى (الهند) 1200
لقد انتهت رسالة قرطبة بانهيار الحكم الإسلامى فى الأندلس الذى دالت معه حضارة العرب الإسلامية العريقة.
توقفت جامعة قرطبة عن تأدية رسالتها السامية التى استمرت ثلاثة قرون رفعت فيها شعلة الثقافة الإسلامية عالية لتلقى ضوءها ونورها على الغرب الأوربى والشرق العربى.
أما المساجد الجامعة فى شمال أفريقيا وبلاد الشرق فقد تعرضت بدورها فى مقاومة الاستعمار الأجنبى إلى الكثير عن عوامل الدمار فانهار بعضها وصمد البعض الآخر كما هو الحال فى جامعة الأزهر التى تعرضت لأكثر من عدوان فى مختلف مراحل الاستعمار.

مقالات سابقة ---------->
سجل الزوار مقالات اخرى شهادة حق الصالون مصريات العمارة والفنون السيرة الذاتية الصفحة الرئيسية