مشكلة المـرور فـى القاهـرة
للمهنـدس المعمارى............ دكـتـور سيد كـريــم
ليست مشكلة المرور التى شغلت المسؤولين فانعقدت لها مختلف اللجان الفنية فى المصالح الحكومية بمشكلة طارئة ، بل هى كأى مشكلة أخرى نواجهها اليوم فجذورها تمتد إلى عشرات السنوات ... وما من بلد فى العالم واجه نفس المشكلة ووضع لها الحلول إلا وكانت دراسات المرور ومشاكله ترجع إلى عشرات السنين ولذا فلا تعد من المشاكل الطارئة .
ولما كانت مشكلة المرورالتى ترتبط الاتباطاً وثيقاً بتخطيط المدن – وإحصائيات وسائل النقل التى تلعب الدور الأساسى فى مشاكل المرور هى فى مقدمة الإحصائيات اللازمة لتخطيط المدن لذا فلم يكن اهتمامى بدراسة المرور ومشاكله وليد اليوم أو وليد أزمة اليوم الطارئة كما يحاول البعض وضعها .
ولقد لفت نظر الحكومات السابقة والمسؤولين في سنة 1940 الي ضرورة الاستعداد لمشاكل المدينة بعد الحرب ووضعت بحثا كاملا لحل مشكلة المرور وانتظا ر السيارا ت في مدينة القاهرة ((بعد الحرب)) وربطت تلك المشروعات الإ اصلاحية باقتصاديات الوقاية في سلسلة من الابحاث نشرت في الصحف المصرية بعنوان (( تكاليف الاصلاح في السلم ومصاريف الوقاية فى الحرب)) وكان فى مقدمة الأبحاث التى وضعتها لمشكلة انتظار السيارات استغلال المخابىء الوقائية لتحويلها إلى أماكن إنتظار السيارات . وفى مقدمة المشروعات التى وضعت تصميماتها مشروع إنشاء جراج عام تحت ميدان الأوبرا يسع 800 سيارة ويستغل وقت الحرب لمخبأ عام للمنطقة بأكملها ويسع 10000 ساكن وقد روعى أن تكون اتصالاته ومدخاه من جميع الشوارع المحيطة به والتى تستعمل بعد الحرب .
وقيل وقتها أنه مشروع خيالى .. فليس فى القاهرة أزمة سيارات ولن تكون فى القاهرة أزمة لأماكن انتظارها ، ووضعت مشروع آخر بانشاء الممرات السفلية تحت الشوارع لتستعمل للمشاه بعد الحرب ومخابىء وقت الحرب حتى يمكن الاستفادة استفادة مزدوجة للمبالغ التى تصرف فى أعمال الوقاية وضرب عصفورين بحجر واحد .
ومشروع ثالث بعمل بعض الشوارع مزدوجة الجزر ، السفلى فيها يستغل بعد الحرب لانتظار السيارات وهكذا قدر لتلك المشروعات ((الخالية)) أن تأخذ طريقها إلى سلة المهملات أو ملفات الحفظ بالوزارات وانهم واضعها بأنه خيالى .
وفى سنة 1948 عرض نفس المشروع فى صحافة الغرب وفى أمريكا بالذات واعتمدته الهيئة العليا للوقاية على أنه بحث قيم . وبدىء فى عمل الدراسات الخاصة به لاستغلالة للوقاية من الحرب الذرية وفى سنة 1952 ظهرت عدة مشروعات فى كل من فرنسا وسويسرا وأمريكا لايختلف عن مشروع ميدان الأوبرا وسليمان باشا وشارع قصر النيل الذى وضع فى سنة 1939.
وفى أكثر من مؤتمر عقد فى السنوات التى تلت الحرب تعرضت لمشكلة المرور فى مصر وعلاقتها باحصائيات النقل والانتقال وكثافة السكان وتخطيط المدينة ، ولم تكن فى نظر المسؤولين أكثر من مقالات أو أبحاث ((قيمة)).. وكأنها وضعت لبلد آخر ... لأنه مادامت السيارات تجد طريقاً تسير فيه ... ومادامت وسائل التخدير تخفف ما يظهر من صعوبات فليس هناك مجال أو داع لدراسة مشكلة المرور واعتبارها مشكلة جدية تستحق الاهتمام والدراسة .
وفى سنة 1952 تعرضت لنفس المشكلة فى مؤتمر الهيئات البلدية وأثرها فى تخطيط المدن الذى عقد فى الجامعة الأمريكية فى فبراير سنة 1952 وقد وضحت فى البحث الخاص بالقاهرة كمدينة العلاقة الحقيقية بين تخطيط المدينة ومشاكل المرور بها .
وفى سنة 1953 وضعت بحثاً شاملا جديداً لمشكلة المرور فى القاهرة وأعددت معرضاً كاملا لمختلف مشاكل المرور وما يلزم لها من حلول جدية وعملية لمواجهة ((نكبة))المرور فى المستقبل القريب وقد طبع البحث فى مؤتمر روتارى الدولى .
أن مشكلة المرور لن يحلها أى علاج سطحى أوأية وسيلة من وسائل التخدير يجب أن نعرف أولا أساس المشكلة وسببها أو ما يسمى أساس العلة وموضعها فى الجسم فلا نتعجل بوصف الدواء قبل أن نعرف موضع الداء وسببه ومدى تأثيره على جسم المريض .
ولا يمكننا أن نحل مشكلة المرور بغير دراسة تخطيط المدينة نفسها لتحديد علاقة المرور بجسم المدينة نفسه وهو ماسأضطر لطرحة مرة أخرى حتى يكون التشخيص سليما ومحددا للمريض نفسه .
شرايين المدينة :
تعتبر المدينة فى نظريات تخطيط المدن الحديثة كأى كائن عضوى حى ... يولد وينمو ويتحرك ويتغذى ويتنفس ويفرز مخلفاته ويمرض ويموت . تتوقف حيويته ونشاطه على صحة جميع أعضائه فكما أن للكائن الحى هيكل عظامه وتكوينه التشريحى ومختلف شبكاته الدموية والعصبية والهضمية الخ وما يتصل بها من مراكز القوى والحركة كالقلب والمخ وتارئتين والمعدة والتى تعمل مجتمعة على احتفاظه بحيويته وحياته كذلك المدينة . فللمدينة شرايينها التى يتدفق فيها دم الحياة أو حركة المرور والنقل والانتقال والمواصلات والتموين ، وتتكون شبكتها من مجموعة من الطرقات والشوارع المختلفة الأبعاد والاتجاهات والمناسيب بالنسبة لأرض المدينة والغرض بالنسبة لوضعها فى التخطيط – تلك الشبكة التى تربط خلايا المدينة ببعضها من ناحية .. وبقلب المدينة من ناحية أخرى فتتحول بدورها إلى شبكة تكوينية كاملة من الشرايين والأوردة الدائرية الحركة فكلما انتظمت دورة تلك الشبكة التى تشبه الشرايين والأوردة فى تسيجها كلما انتظم توزيع الضغط عليها... كلما انتظم المرور فى المدينة
إن شرايين مدينة القاهرة تعانى أزمة من الضغط والتصلب الذى شل حركتها ، وليست تلك الأزمة وليدة اليوم أو الأمس القريب ، بل لقد فعلا قبل الحرب الأخيرة ببضعة سنوات . وبدلا من يحاول الاحصائيون تشخيص الداء لمعرفة أسبابه بدأوا بوصف العلاج بمختلف الوسائل – بدأ العلاج بالطب النفسانى أى حل مشكلة المرور بتضييق الأرصفة لتوسيع الشوارع – فاختلط المارة والمشاه والسيارات وتعقدت حركة المرور عما كانت عليه .. ثم انتقل العلاج إلى التخدير الموضعى أى بالمرور فى اتجاه واحد ثم تمنع انتظار السيارات على أحد جانبى الطريق ... ثم تمنع انتظار السيارات على جانبى الطريق ... وسوف لا يكون هناك حل فى المستقبل القريب إلا التخدير الكامل أى بمنع المرور فى الشارع نفسة . ما ذلك العلاج إلابداية نكبة ستواجهها المدينة قريباً حيث قد اختلطت الشرايين بالأوردة وبداً انسدادها فى أكثر ساعات النهار بسبب توقف دورة المرور الانسيابية التى يتصف لاتجاه الواحد أو انعدام أسس التوجيه والتفريغ الطبيعى المحورى أو الدائرى للحركة خلال المدينة وسوف يتعرض المرور فى المدينة للانهيار الناتج من المحاولات التجريبية التى لا ترتكز على أساس علمى صحيح .
يجب أن نحدد مواضع العدو قبل أن نصف العلاج ... يجب أن نضع الاصبع على الداء نفسه بدلا من أن ندور حوله فى حلقة مفرغة .
تخطيط المدينة :
إن أساس العلة يكمن فى تخطيط المدينة نفسها .. لا فى تخطيطها الداخلى فقط ، بل فى تخطيط محيطها الخارجى . فالقاهرة تعتبر مركز تقابل خطوط المرور الرئيسية المتصلة بضواحيها سواء الحالية أو المستقبلة فالانتقال من ضاحية إلى أخرى حالياً يضطر إلى اختراق العاصمة المركزية نفسها لذا فالخطوة الاولى فى حل مشكلة المرور فى برنامج القاهرة الشامل ستبداً بالتوزيع الحلقى أى بتحويل تلك الشبكة الاشعاعية إلى شبكة أخرى حلقية تربط الضواحى ببعضها بطرقات حلقية لمختلف أنواع المرور والنقل لوصل الضواحى ببعضها بغير حاجة إلى اختراق المدينة مما سيخفف جزءا كبيراً من الضغط لمختلف أنواع وأوزان النقل كما سيحقق فى نفس الوقت حل كثير من مشاكل التوزيع المنطقى للقاهرة الكبرى ومختلف أحيائها الصناعية والسكنية والإدارية والرياضية الخ .
سيتبع تلك الخطوة تطبيق نفس النظرية أى الاتصال الحلقى داخل المدينة نفسها لربط الأحياء ببعضها فتخطيط المدينة الحالى ذو التكوين الاشعاعى واتجاهات شوارعها الرئيسية التى تتقابل جميعها فى مركزها التجارى يتعارض مع جميع القواعد والنظريات الأساسية التى تعمل على ضمان استمرار حركة المرور ودوراتها المستمرة وتوزيع مختلف أنواعها بين أنحاء وأحياء المدينة المختلفة فتنظيم شبكة الطرق سيحتاج إلى تفريغ الحركة فى مجموعة من الحلقات الدائرية التى تربط مختلف الأحياء ببعضها وتعمل على الاتصال الخارجى المباشر بينها وتخفيف الضغط على مركزها مستعمل كثير من الشوارع الرئيسية الموجودة حالياً على تكوين الحلقات بعد شق أجزاء مكملة لها فى بعض الأحياء المقفلة .
انفصال الشـرايين :
إذا فحصا شرايين القاهرة سنجد أنه يقطعها فاصلان رئيسيان ، أولهما الفاصل الشمالى وهو خط السكة الحديد الذى يربط الوجه البحرى بالقبلى ، وثانيهما نهر النيل الذى يمتد من شمال القاهرة الى جنوبها . كان كلاهما فى موضعه الطبيعى فى قاهرة القرن الماضى عندما كانت تحد شمالا بميدان المحطة الحالى وغربا بمستنقعات جاردن سيتى والاسماعيلية التى كانت تفصلها عن نهر النيل . أما الآن وقد امتدت المدينة حتى أصبح عدد سكان الجزء الشمالى وحده يزيد عن عدد سكان القاهرة بأكملها من نصف قرن وتقرر إمكانيات توسعة بما يقرب من مليون ساكن بينما لا يربطه بالقاهرة إلا عنق زجاجة واحد وهو نفق شبرا الذى تتجمع فيهجميع وسائل النقل والمواصلات والمرور لتصب فى القاهرة .. وفى شارع واحد من شوارعها أو محاورها الرئيسية الذى يتجه نحو مركزها الرئيسى بينما إذا طبقنا عليه النظريات الأولية للتخطيط وتوجيه المرور لوجدنا أن عدد الشرايين اللازمة لذلك الاتصال يجب ألا تقل عن العشرة توزع بطول الحد .
إن محطة السكه الحديد الرئيسية التى كانت فى التخطيط القديم خارج المدينة ستكون بدورها موضع بحث فى التخطيط الجديد سيكون شأنها شأن كثير من مثيلاتها فى عواصم العالم الكبرى التى واجهت نفس المشكلة فانتقلت المحطة الرئيسية لتوزع على ثلاث أو أربع محطات كل منها فى ركن من أركان المدينة على أن ترتبط المحطات ببعضها بواسطة الاتصال الحلقى الخارجى أما فى حالة ترك المحطة الرئيسية فى وسط المدينة فيمكن وصول القاطرات إليها إما بالطريق العلوى أو السفلى مع ترك منسوب سطح المدينة للمرور الداخلى كما تم تحقيقه بنجاح فى كثير من البلاد الأخرى .
كما أن الشرايين التى تصل امتداد القاهرة الغربى الذى وصل تعداد سكانه إلى ما يقرب من النصف مليون ساكن وقابليته للتوسع ستصل إلى المليون تقريباً بعد تغيير كل من مناطق مدينة الأوقاف والهرم فتلك المنطقة بأكملها أيضاً لا يربطها بالقاهرة أو بقاهرة الوسط إلا كوبرى واحد وهو كوبرى قصر النيل الذى أنشىء منذ أكثر من نصف قرن ، وكان الغرض من إنشائه النزهة والانتقال إلى حدائق القاهرة وغاباتها الخارجية ، علما بأن كوبرى عباس يعتبر شريانها للتموين لا أكثر – إن ذلك الجزء بأكمله من القاهرة أى قاهرة الغرب لا يربطها إلا عنق زجاجة آخر يركز حركة المرور والاتصال والتفريغ بدوره فى مركزها الرئيسى بينما إذا رجعنا إلى إحصائيات المرور والنقل وعدد السكان وعلاقة عملهم ونشاطهم بالمدينة لوجدنا أن تلك المنطقة أو اتصال القاهرة بالشاطىء الغربى يحتاج الى مالا يقل عن العشرة كبارى تعمل على توزيع الحركة وتساعد على الشبكة الحلقية للمرور والانتقال وفرز مختلف أنواع وسائله .
إن نظرة واحدة إلى تخطيط أية مدينة يتوسطها نهر كباريس أو لندن وحصرنا ما يعبر الأنهار التى تخترقها من كبار وقناطر أنشىء معظمها من عشرات السنين قبل وصول حركة المرور والسيارات إلى ما هى عليه الآن للمسنا علاقة تلك الشرايين بتخطيط المدينة من ناحية وأثرها فى تأمين دورة حركة المرور من ناحية أخرى .
مـدخـل القاهـرة :
إن مدخل مدينة القاهرة الحالية أو أبوابها الرئيسية لا تختلف كثيراً عن أبواب القاهرة القديمة عندما كانت المدينة محاطة بأسوار عالية ولا يصل إليها الزائر إلا غن طريق أبواب ضيقة وهى أبواب الفتوح وزويلة والمتولى وغيرها مما تميزت به مدن القرون الوسطى التى لا يسمح بالدخول إليها أو الخروج منها إلا فى أوقات معينة . فمداخل قاهرة اليوم جميعها للأسف عبارة عن أبواب مقفلة أو ممرات ضيقة تدخل عبر قنوات كقنوات الدفاع فى مدن الماضى . فها هو مدخلها الرئيسى أو المدخل الشمالى عند شبرا الذى تتجمع فيه حركة والنقل الخاصة بشمال الدلتا بأكمله فتدخل القاهرة مخترقة مجموعة من الخرائب تعد أسوأ مثل لاستقبال الزائر ، ويمر الداخل خلال مجموعة من المنعرجات حتى يصل إلى كوبرى شبرا الضيق الذى تتعطل فيه حركة المرور بضعة ساعات فى اليوم فى أكثر أوقات المرور حركة – لمرور الملاحة النهرية بترعة الإسماعيلية – ثم ينحرف الطريق عدة مرات حتى يدخل شارع شبرا الرئيسى الذى تتجمع فيه مختلف وسائل النقل لتتجه مركزة فى قلب القاهرة المركزى .
إن حل مشكلة المرور فى ذلك المدخل ستبدأ بفرز المرور نفسه أو مختلف وسائل النقل قبل الوصول إلى مدخل القاهرة نفسه وذلك بمد طريق جديد مواز للسكة الحديد لوسائل النقل الثقيل والمشترك من أتوبيسات ولوريات للوصول بها إلى محطة خاصة بالقرب من محطة السكة الحديد ، ثم وصل خطوط نقل التموين إلى حلقة الاتصال الدائرية الداخلية الموصلة إلى مختلف الأحياء بعيداً عن طرق المواصلات الرئيسية ، ولا زال المكان اللازم لذلك الطريق خالياً ولا يحتاج حالياً إلى مبالغ كبيرة ، كما أن الاستفادة من زيادة سقع الأراضى المطلة عليه والتى يجب نزع ملكيتها لصالحه ستغطى تكاليف إعداده ورصفه ليكون شريانا حيويا فى التخطيط وسيعمل ذلك الشريان لتوصيل وسائل النقل الثقيل بأنواعه إلى قلب القاهرة مباشرة بغير حاجة إلى اختراق حى شبرا وطريقه الرئيسى .
والخطوة الثانية هى مد طريق المدخل الرئيسى فى خط مستقيم كما هو مبين فى لوحة تعديل مدخل القاهرة الشمالى . وقد وجدت بطريق الصدفة أن امتداد طريق المدخل الحالى يصل مباشرة إلى محور شارع شبرا الرئيسى ولذا فقد وضع فى التصميم أن يمتدالطريق على شكل أوتوسترادا مرتفعة تمر على شكل كوبرى فوق ترعة الإسماعيلية ويكون منسوب الكوبرى كافياً للسماح للملاحة النهرية بالاستمرار كما ساعد منسوب الطريق على تحقيق الاتصالات المختلفة بجميع الطرق التى تتصل به بغير تقاطع ، كما يتجزأ طريق المدخل عند اتصاله بشارع شبرا الرئيسى إلى ثلاثة أفرع يتجه آخرها إلى الغرب مكونا من مدخل كورنيش النيل والثانى إلى الشرق للاتصالات بطريق الإسماعيلية ومدخل المحطة والوسط بشارع شبرا الرئيسى .
أما كورنيش النيل الذى سيعتبر بدوره شريانا حيويا فى حل كثير من مشاكل المرور بمدينة القاهرة فسيبدأ من المدخل ويسير محازياً للنيل ماراً بأحياء بولاق وثكنات قصر النيل وجاردن سيتى والقصر العينى ويمتد حتى يتصل بمدخل القاهرة الجنوبى عند مصر العتيقة سيلعب ، ذلك الكورنيش دوراً اساسياً فى تخفيف الضغط على شرايين القاهرة الوسطى مما سيعمل على التفريغ الخارجى للحركة ، وقد روعى فى تصميمه أن يواجه الزيادة المضطردة فى حركة المرور خلال نصف قرن على أقل تقدير وذلك من حيث علاقة الحركة المركزة به الشرايين الرئيسية التى تتقاطع معه ، فروعى على ألا يكون تقاطعه مباشراً مع المحاور العرضية التى تعبر النيل ككبارى إمبابه وبولاق وقصر النيل وعباس فأمكن من الاستفادة من المناسيب الطبيعية له وعلاقتها بالتخطيط الجديد لكل من مناطق الكورنيش المستجدة فامتد فى منسوبه المنخفض ليمر تحت كوبرى إمبابه ثم يعلو ليمر فوق كوبرى بولاق وفقاً للتخطيط الجديد للحى ثم ليخترق أرض الثكنات فى منسوبها الحالى ليمر تحت مدخل كوبرى قصر النيل ويخترق حديقة السفارة البريطانية ثم يقابل كورنيش جاردن سيتى الحالى ويمتد مخترقا خرائب القصر العينى القديم ومستشفى الكلب ليقابل شارع القصر العينى فى ميدان كبير تتوسطه أطلال سواقى صلاح الدين الأثرية ثم يمتد الكورنيش بمحازاة النيل حتى يصل إلى المعادى وحلوان حيث يدخلها فى موجهة ركن فاروق إلى حلوان الجديدة ومنها يتصل بالاوتوسترادا الصراوية التى تمتد بدورها لتصل إلى المعادى والمقطم والقلعة والعباسية ومصر الجديدة مكونة مع كورنيش النيل طريق خلفى حول مدينة القاهرة .
إن مداخل القاهرة الأخرى كالمدخل الغربى وهو طريق الأهرام والإسكندرية والفيوم سيرتبط بدورة بالتوزيع الحلقى ليدخل القاهرة فى أكثر من اتجاه واحد لفرز مختلف أنواع التقل والتوزيع الاشعاعى المباشر للحركة لتوزيعها على مختلف مناطق التوجيه مع مراعاة ربط كل مدخل من مداخل القاهرة بالحلقة التموينية الخارجة للأحياء بحيث يمكن تغذية كل حى وكل منطقة أو الانتقال من واحدة إلى أخرى بغير حاجة إلى اختراق وسط المدينة نفسه .
الاحياء الوطنية المقفلة :
إن فى مقدمة العوامل التى ساعدت على تعقيد حركة المرور فى شوارع القاهرة الرئيسية وزيادة الضغط عليها وجود الأحياء الوطنية المقفلة أو خلايا المدينة المنحلة فمعظم تلك الأحياء التى يزيد عدد سكان كل خلية من خلاياها عن 50 ألف ساكن لايوجد بها طريق واحد للمرور الآلى فطرقاتها معظمها أزقة مقفلة لاتصل إليها الساكن إلامشياً على الأقدام – كما أن سكان تلك الأحياء فى ازدياد مستمر مع بقاء حدود الحى مقفل بغير اتساع لذا فحركة النقل والانتقال إلى تلك الأحياء تسير فى الطرقات الرئيسية التى تحيط بها مما ساعد على انسدادها وزيادة الضغط عليها فتلك الأحياء التى تسير باستمرار نحو الانحلال ستعمل باستمرار على شل حركة المرور فى الشوارع الرئيسية المحيطة بها أو التى تخرج منها إلى مركز المدينة التجارى – لذا فالبرنامج الشامل لتخطيط مدينة القاهرة سيقسم تلك الأحياء المقفلة إلى عدة أنواع يتوقف علاج كل منها على طبيعة تكوينها وكيانها وعمرانها .
مشكلة أخرى لاتقل أهمية عن دورة المرور نفسها بل تعتبر فى الواقع جزءاً لا يتجزأ من تخطيط المدينة وقد بدأت مشكلة انتظار السيارات من سنوات عديدة قبل الحرب ومع ذلك فلم تدرس دراسة فنية جدية واكتفى بمختلف وسائل التحذير باستعمال مختلف اللوحات التى تمنع الانتظار لأكثر من نصف ساعة ثم منع الانتظار على أحد جانبى الطريق ثم الاكتفاء بالانتظار فى الشوارع الجانبية حتى تعذر المرور فى معظمها .
إن موضوع انتظار السيارات لايمكن أن يحـل بالارتجال أو بالمحاولات التجريبية بل يجب أن تدرس دراسة علمية صحية على أسس سليمة وتقديرات إحصائية يجب أن يحدد عدد السيارات التى يجب إعداد أماكن انتظارها ومبيتها بالنسبة لكل شارع وكل منطقة وكل حى وعندئذ يمكن دراسة طريقة توزيع أماكن انتظارها .
فإذا أخذنا شارعا واحداً مثلا كشارع قصر النيل الذى يعد أحد شوارع القاهرة وقمنا بعمل دراسة أولية لمعرفة ما يحتاج إليه حالياً ومستقبلا من أماكن انتظار السيارات وطريقة إعدادها وتدبيرها لوجدنا أن الشارع قد أنشىء به فى الخمس عشر سنة الأخيرة أربعة عمارات حـديثة فقـط حلت بإنشائها ثلاثة آلاف غرفة بدلا من 140,124 محل تجارى بدلا من عشرة ، وتبعاً لازدياد كثافة السكان والمحلات التجارية تزداد حركة المرور وضغظها فإذا اعتبرنا أن لـكل أربعة غـرف سيارة واحدة ولـكل محل تجارى سيارة واحدة فى أماكـن الانتظار لـوجدنا بحسبة بسيطة أن المساحة الـلازمة لأماكـن انتظار السيارات ومبيتها بعد تعمير الشارع بأكمله ستبلغ ستة أمثال مسطح الشارع نفسـه .
فمـا هـو الحـل العملى لتلك المشكلة أى مشكلة انتظار السيارات ومبيتها ؟
إن المشكلة لن تحل بوسائل التحذير والمنع ! بل يجب دراستها دراسة فنية جدية من الآن فإن مشاكل المرور التى تواجهها المدينة حالياً ليست بالمشاكل الطارئة بل أنها مشاكل معروفة لم تواجه بصراحة فى الوقت المناسب وترك حلها للظروف حتى تفاقمت ، إن مشاكل الغد يجب أن تحل اليوم .. كما أن مشاكل اليوم كان يجب تداركها بالأمس ، فتلك المشكلة وهى خاصة بشارع واحد أخذ على سبيل المثال ستحل بتوزيع انتظار السيارات من حيث انتظارها المؤقت والطويل المدى والمبيت كالآتى :
أولا : إنشاء ثلاث عمارات للجراجات المتعددة الأدوار للانتظار أثناء النهار والمبيت أثناء الليل ويجب أن يراعى فى اختيار موقعها بحيث تكون خلف الشارع الرئيسى وعلى اتصال مباشر بالشوارع الجانبية المحيطة بالمنطقة لكى تسهل حركة المرور وهى :
1- إنشاء جراج يسع حوالى 600 سيارة عند نقطة تقابل كل من شوارع قصر النيل وجامع جركس والقاضى الفاضل
2- إنشاء عمارة أخرى نصفها للمكاتب والنصف الخلفى لجراج يسع 300 سيارة بحيث يحتوى كل مكتب على جراج خاص لسيارته ومكان للانتظار فى نفس طابق المكاتب وبذلك يمكن الصعود إلى المكاتب فى جميع الأدوار بالسيارة مباشرة سواء للسكان أو لأصحاب المكاتب أو الزائرين .
3- إنشاء عمارة ثالثة مسطحها ألف متر وتسع 500 سيارة وارتفاع أدوارها ثمانية أدوار
وتقع العمارات الثلاث فى المسقط فى موقع موزعة بالنسبة لبعضها وبالنسبة لتفريغ المنطقة وكثافة الانتظار فى المستقبل .
ثانياً : استصدار قانون بإنشاء جراج فى بدرومات جميع العمارات السكنية التى تنشأ وسط المدينة وتكون مساحته مناسبة لعدد غرف العمارة ونوع استغلالها وقد تصل المساحة المطلوبة إلى استغلال أكثر من طابق داخل العمارة أو خلفها أو فى مناورها الداخلية .
ثالثاً : الاستيلاء على الأراضى الفضاء أو خرائب قلب العاصمة التى توجد فى معظم أحيائها التجارية والسكنية المزدحمة بالسكان وتحويلها إلى أماكن للانتظار بمعرفة البلدية إلى أن يبدأ أصحابها فى تعميرها .
رابعاً : استغلال قطع الأراضى التى تقع فى وسط العاصمة والتى تحتلها محطات البنزين واشتراط إقامة جراجات عالية فوقها بحيث يستغل الدور الأسفل منها لمحطة البنزين وخدمة السيارات والأدوار العليا للجراجات والانتظار .
خامساً : استغلال بعض الطرقات الجانبية لتحويلها إلى جراجات انتظار مؤقتة وطرق تصال سفلية بين مختلف الشوارع بغير تقاطع مع شريان المرور الرئيسى مع مراعاة تحويلها إلى مخابىء وقائية للمدنيين فى حالات الطوارىء وهومالم يصبح موضع تفكير إلى الآن رغم أهميته .
سادساً : إنشاء جراج عام تحت ميدان الأوبرا يسع مالا يقل عن 500 سيارة الانتظار المؤقت والمبيت الليلى ، مع العلم بأن مثل هذا الجراج بجانب قيامة يحل جزاءا كبيرا من مشاكل المرور لشارع قصر النيل وكثير غيره من الشوارع التى تصب فى نفس الميدان حيث أن تكاليف إنشائه لا تقدر بشىء بجانب ما سيعود منه على البلدية من الفوائد الاقتصادية والايراد الدائم .
بتلك الطريقة فقط يجب دراسة مختلف مناطق المدينة وشوارعها ، وعلى أساسها يجب دراسة التخطيط الشامل وعلاقته بالحركة والمرور وبواسطتها يمكن حل مشكلة المرور لا حلا مؤقتاً كمحاولة من محاولات التخدير بل حلا بعيد المدى لمشاكل الغد المرتقبة .
المشاه والمرور :
إن تنظيم دورة المشاه تعتبر فى مقدمة برامج تنظيم المرور فى المدن وهو ما لم يوضع له برنامج شامل بالنسبة لمختلف مناطق المدينة وشوارعها وفقا للأصول الفنية . ويشمل تنظيم مرور المشاه وعبورهم للشوارع والميادين فى قلب القاهرة التجارى مجموعة من وسائل التنظيم تشتمل ما يلى :
(1) تحديد خطوط ومناطق عبور المشاه فى الشوارع والتقاطعات الرئيسية مع وضع حواجز لمنع نزول المارة من الأرصفة إلا فى معابر المرور المحددة وخاصة فى الأماكن ذات الأرصفة الضيقة والضغط الكبير لحركة المشاه .
(2) إنشاء بعض الممرات السفلية تحت الشوارع المختلفة الاتجاه الانتقال من ركن إلى آخر من أركان التقاطع بغير اختراق الطريق .
(3) إنشاء بعض الممرات المعلقة فوق الشوارع ودراسة نظام الأرصفة المزدوجة لتخفف الضغط على الأرصفة الحالية مع الاستغلال المزدوج لأدوار العمارات للدكاكين والأسواق التجارية .
(4) تحويل بعض الميادين المستديرة كميدان مصطفى كامل وميدان سليمان باشا إلى ميادين سفلية للأسواق التجارية تعلوها قبة زجاجية لإنارتها مع اتصال الميدان بمدخل ومخارج من جميع النواحى المحيطة به لمنع مرور المشاه فى الميدان أو افتراق الشوارع المحيطة به مع استغلال الميدان تجاريا مما يغطى تكاليفه فى مدة قصيرة ويعود على البلدية بإيراد مستمر يعمل على صيانة الميدان ورصفه .
(5) وضع إشارات النور لعبور المشاه بحيث يسهل رؤيتها بالنسبة للمارة والسيارات .
(6) وضع اللوائح الخاصة بمسؤولية المشاه عند مخالفتهم إشارات المرور أسوة بالسيارات مع تحديد مسؤولية كل من قائد السيارة وعابر الطريق عند حدوث الإصابات الناتجة من مخالفة أحدهما اللوائح .
دكتور/ سيد كريم

سجل الزوار مقالات اخرى شهادة حق الصالون مصريات العمارة والفنون السيرة الذاتية الصفحة الرئيسية