المهندس والدفاع المدني
بقلم د.سيد كريم
القنابل العالية الإنفجار
المقاومة – الوقاية – العلاج.. تلك هي الدعائم الثلاث التي ترتكز عليها قاعدة الدفاع فالأولى قوامها الدفاع الحربي والإيجابي والثانية الدفاع السلبي والثالثة التي تحفظ توازن الأولين والتي لا غنى عنها هي الدفاع الطبي. ولم يهتم العالم بالدفاع الطبي إلا في السنين الأخيرة التي سبقت الحرب.
فالمهندس هو العماد الأول في بناء صرح مشاريع وبرامج تلك الدعائم الثلاثة ففي الأولى يقف بجانب الجندي ليمده بما يحتاج إليه من عدة وسلاح ويبتكر له ما يرتكن إليه من مخترعات الدفاع فيضع له تصميم استحكاماته ووحدات منشآته الحربية من قلاع وحصون وينفذ له خططه الإنشائية وسلاحه الميكانيكي الذي هو عماد حرب العصر الحديث. وفي الثانية يقف بجانب الإدارة ليقوم بقسطه في وقاية المدنيين من الغارات بأنواعها فيوزع مراكز الدفاع ويبني المخابئ ويقي المباني وينشئ وحدات الدفاع االسلبي من مراكز للوقاية والتطهر وفي الثالثة يقف بجانب الطبيب ليساعده على إتمام عمله وضمان إنتظام حركة توزيع برنامجه.
الدفاع الطبي هو تنظيم شبكة العلاج وتوزيع وحداتها على المدينة أو على الدولة بأكملها وطريقة إدراة دفتها في حالات الطوارئ.وهو لهذا يرتبط إرتباطاً وثيقاً ببرنامج الوقاية والدفاع الصحي العام وقد إنتهت معظم الدول الأوربية الكبرى من توزيع الدفاع الطبي على جميع مدنها المكشوفة منذ عدة سنين مضت، فوضعت عدة نظريات يمكن الإعتماد عليها والرجوع إليها في تحديد مساقط شبكة الدفاع وضمان إنتظام سيرها – ومثل هذا البرنامج أكثر تعقيداً في المدن القديمة ذات التخطيط المدني المعقد والإختلاف المتباين بين حالات الاحياء الإجتماعية كما هو الحال في مدينة القاهرة منه في المدن الحديثة ذات التخطيط المدني الحر أو المفتوح أو ذات طرق الإنتقال تحت الأرض.
ولكن إذا درس الإنسان مسقط مدينة القاهرة بتخطيطها المدني وحالتها الإجتماعية ثم توزيع مناطقها الإجتماعية والتجارية والصناعية بالنسبة للمسقط العام. وكذلك توزيع محركات شبكة العلاج كالمستشفيات الكبرى على أنحاء المدينة، انهارت جميع تلك النظريات لأن المصمم سيقف أمام عدة عقبات تضطره في النهاية إلى التفكير في إتجاه آخر لإبتكار طريقة أخرى لضمان سير حركة دفاعه. ومن بين تلك المصاعب التي لا حصر لها ما يأتي:-
1. توزيع أهداف الضرب الرئيسية والثانوية على مناطق المدينة بأكملها كالمصالح الحكومية الكبرى ومباني التليفزيون والورش ومحطات السكك الحديدية والمجاري والثكنات العسكرية وأماكن الكهرباء والماء ومخازن البترول ومراكز التموين الحربي والمؤونة حيث تغطى دوائر الإصابة مسقط المدينة بأكملها بحيث لا يبقى حى من الأحياء منعزلاً عن مناطق الضرب.
2. التخطيط المدني المقفل بالنسبة لمعظم مناطق المدينة ، وعدم إنتظام توزيع المخارج الرئيسية بالنسبة للأحياء الآهلة بالسكان حيث تكثر الأزقة والحواري المقفلة والتي قد تغلق معظمها من أحد طرفيها عند تهدم أي مبنى.
3. حالة معظم المباني التي في الأحياء الوطنية آيل للسقوط بحيث تنهدم من تخلخل الهواء إذا سقطت قنبلة ثقيلة بالقرب منها. ثم عدم التوازن بين ارتفاعات تلك المباني بالنسبة لعرض الطرقات التي بينها. كذلك طبيعة الأرض التي ستكون من أكبر العوامل على تصدع أساسات أكثر المباني كما أن طرق الإنشاء في تلك الأحياء معظمها من الحجر والخشب القابلة للإحتراق السريع.
4. ضعف التربة وسهولة تصدع مواسير المجاري غير المحمية خصوصاً وأن معظمها ليس لها طريقة إحتياطية مكملة للتصريف كما أنه لم يوضع أي مشروع لحمايتها من الطوارئ.
5. سبل المواصلات الرئيسية وطرق سيرها والتي تعد كلها مهددة بالإنقطاع في حالات الطوارئ كما أنه لا توجد طرق أو سبل أخرى محمية يمكن الإعتماد عليها والإنفاق التي تصل المناطق المقفلة بالأحياء المفتوحة أو خطوط المواصلات التي تحت الأرض كالمترو وغيره، والتي تلعب دوراً كبيراً في كل من الدفاع السلبي والطبي.
6. صعوبة التصريف البري والترحيل السريع للسكان المقيمين في حالات الطوارئ تبعاً للخطيط المدني المقفل ثم اتجاه المخارج الرئيسية للمدينة وعددها واتساعها بالنسبة لحركة المرور الداخلية ثم انحصار المدينة بين النيل والحائط الشرقي والقبلي المكون من سلسلة الجبال.
7. توزيع مواقع المستشفيات الرئيسية في المسقط العام بحيث تقع معظمها في مناطق الخطر كمستشفى قصر العيني ومستشفى الملك الجديد ووجودهما بالقرب من الكباري ثم عند مدخل القاهرة بالنسبة للغارات الجوية كالخط المتجه من الأهرام إلى القلعة.
8. التخطيط المعماري والهندسي لمعظم المباني العامة كالمدارس والملاجئ وغيرها، والتي نشأت مسقطها بطريقة التعديل والإضافة مما يصعب تحويلها للإستفادة منها كمستشفيات أو مراكز للعلاج بأنواعه.
9. كما أن هناك عاملاً أساسياً وهو الحالة الإقتصادية أو ما يمكن اعتماده من المال لتفيذ مثل هذا الدفاع. ذلك إلى أنه لا يمكن مقارنة ما اتخذ في الدول الأوروبية الكبرى بما يجب اتخاذه في مصر مما يضطر المصمم إلى التفكير في مشروع يمكن تنفيذه بأقل مبلغ ممكن وعلى درجات تجعل إمكان تنفيذ وحداته بحيث تكون مكملة بعضها بعضاً.
وهذه العوامل المتقدمة مجتمعة، تقف عقبة في طريق الإعتماد على الجراحة الثابتة للدفاع الطبي، وهي التي ستقوم بإدارتها المستشفيات الرئيسية، مستعينة بالمشآت العامة والمدارس التي ستتحول إلى مستشفيات فيجب في هذه الحالة الإلتجاء إلى طريقة أخرى يمكن بما تغطية نقط الضعف أو الثغرات التي تحدث في تلك الشبكة.
وقد أمكن الوصول إلى طريقة مبتكرة تكمل الجراحة الثانية ، بحيث يمكنها أن تحل محلها عند شل حركتها، وهي طريقة الجراحة المتحركة التي أمكن تنظيم شبكة سيرها بالإنتفاع بخطوط السكك الحديدية والديزل وخطوط المحاجر والثكنات وخطوط الملاحة النيلية ، وكذلك الإنتفاع بموقع القاهرة بالنسبة للنيل. ولذلك يجب إختيار أماكن إحتياطية للتفريغ لعلاج الجرحى بعيداً عن مناطق الخطر وعن محيط المدينة بأكملها كما يمكن الوصول إليها بسهولة. وقد اختيرت تبعاً لها عدة أماكن روعى فيها أن تسد حاجة المدينة بأكملها عندما تشل حركة جميع المستشفيات الرئيسية وقد روعى في توزيع مساقطها طريقة تحويلها في أقل وقت ممكن وعلى درجات ، حتى تسد العجز الذي قد يحدث في عدة الأسرة اللازمة.
ويتكون مشروع الدفاع الطبي عن مدينة القاهرة بصفة عامة من أربعة مشاريع فرعية منفصلة ومرتبطة ببعضها في الحركة الإدارية الكلية.
أولاً – مشروع الدفاع الجراحي الثابت – تنظيم حركة الجراحة ووضع مسقط أو شبكة توزيعها على المدينة بأكملها ويشمل طريقة تقسيم مدينة القاهرة إلى مناطق مقفلة تبعاً للتخطيط المدني والتقسيم الإداري والتوزيع الطبيعي ثم للحالة الإجتماعية والصناعية للمنطقة وقد قسمت القاهرة تبعاً لهذا المشروع إلى 14 منطقة – ثم حسب عدد الأسرة اللازمة داخل المنطقة في حالات الطوارئ وقد وضحت في المساقط طريقة توزيعها على المستشفيات الحالية والمباني العامة وعمل مشروع لطريقة تحويل كل مبنى من تلك المباني كالمدارس وغيرها مما وقع عليها الإختيار وأشير فيه طريقة توزيع كل وحدة من الوحدات العلاجية وكل قسم وطريقة توزيع الأسرة والخدمة والحركة الداخلية إلخ بحيث أصبح المبنى كمستشفى كامل العدة وقد وضعت طريقة إدارة الحركة العامة للجراحة ونقل الجرحى ومراكز التموين الرئيسية والإحتياطية.
ثانياً – المشروع الثاني – الجراحة المتنقلة وهو مشروع إبتكاري مكمل للمشروع الأول أو لكي يحل محله إذا تعطلت حركة سير العمل لأي طارئ مفاجئ كما أنه يخفف عنه الكثير من الضغط في معظم الأحوال وهو يشمل طريقة تنظيم حركة الدفاع الجراحي للمدينة بأكملها بطريقة متحركة وقد روعي فيه الإستفادة من نهر النيل وموقعه بالنسبة للقاهرة ثم طرق المواصلات البرية من سكك حديدية وديزل وعبرات الأتوبيس إلخ فوزعت محطات للشحن والتفريغ والتموين برية وبحرية ووضعت عدة نماذج لتحويل عدد من قاطرات السكة الحديدية إلى مستشفيات كاملة بما في ذلك سكن الأطباء والممرضات وعربات العمليات وعربات العنابر وعربة الخدمة والمطبخ وعربات نقل الموتى ثم حولت قاطرات من نوع الديزل إلى وحدات للعمليات. ثم نماذج لأنواع مختلفة من المستشفيات وأقسام العمليات المتنقلة التي تتركب من وحدات تفصل عن بعضها ثم تحمل على سيارات من نوع اللوري وتركب في أي ميدان من الميادين أو الأراضي الخلاء حيث تقوم بعملها كمستشفى جراحي كامل العدة ثم تنقل إلى مكان آخر بعد الإنتهاء من عملها. وضعت عدة مشاريع لطريقة استخدام الأنواع المختلفة من السفن النيلية على إختلاف أنواعها.
ووضعت طريقة تحويل مساقطها إلى أنواع مختلفة من المستشفيات منها الكاملة للجرحة والتي تتسع لحوالي 250 – 400 سرير وأخرى لوحدات العمليات فقط. ثم طرق تحويل الصنادل النيلية إلى عنابر للمرضى وخط سير الإنتقال والجراحة بين وحدات ومحطات الشحن والتفريغ الرئيسية والإحتياطية.
وقد أوضح المشروع طريقة سير العمل والأخطاء وتوزيع العلاج والتموين والحركة الأدارية مع عمل الإحتياط اللازم حتى لا يتعرقل سير العمل لأي طارئ.
المشروع الثالث – الدفاع الطبي ضد الغازات السامة والمحرقة.
عمل مسقط كامل لمدينة القاهرة موضحة عليه مراكز التطهير الرئيسية والثانوية تبعاً للمناطق ثم الحالات المختلفة للدفاع تبعاً لنوع الطوارئ. ثم طريقة تحويل مساقط المباني إلى مراكز تطهير.
المشروع الرابع – الدفاع الطبي ضد الأوبئة
وهذا المشروع يعد بالنسبة لمدينة القاهرة من أهم المشروعات سواء اشتركت مصر فعلياً في الحرب أو بقيت على الحياد. وذلك لحظر تفشي الأوبئة في الحالة الأولى تبعاً لتحلل الجثث التي يصعب نقلها بسرعة من تحت الأنقاض وخاصة في الأحياء المقفلة والتي ستكون نسبة التخريب بها كبيرة إذا حدث وأصيبت بقنبلة من ذات الوزن الثقيل.
أما في حالة عدم اشتراك مصر في الحرب. فإن هذا ضروري لسهولة انتقال أي وباء إليها من ميادين القتال بالإتصال التجاري البري والبحري أو نتيجة لتفتشي مرض من الأمراض في فرقة من فرق الجنود المرابطة حول محيط المدينة.
وسنأتي في فرصة أخرى على شرح تفاصل المشروعات الأربعة مع رسومها التوضيحية والتفصيلية عند الشروع في تنفيذ كل منها.
دكتور سيد كريم
مقالات سابقة ---------->




سجل الزوار مقالات اخرى شهادة حق الصالون مصريات العمارة والفنون السيرة الذاتية الصفحة الرئيسية