المهندس المعماري وما يجب أن يتوفر فيه
بقلم محمد محي الدين
. المهندس المعماري في تعريفه الحديث هو ذلك "الفنان الذي ينشئ المباني ويحدد نسبها ويعمل بطريقته الخاصة على توزيع عناصرها وتجميلها، وهو الذي يشرف على إقامتها وفق مراده ويقدر نفقاتها ويراقب مصروفاتها. وهو في نفس الوقت رجل عمل وصنعة"
ومهنة المهندس المعماري – وأقصد بذلك المهندس المعماري الكامل – تستلزم معلومات واسعة في شتى النواحي. كتب فيتروف فقال "العمارة فن تدخل فيه فنون وعلوم أخرى وتستلزم معرفة ودراية. فالمهندس المعماري يجب أن يكون ملماً بالكتابة والرسم المامة التام بعلوم الحساب والهندسة والضوء والتاريخ والفلسفة، كما يجب أن تكون لديه معلومات عن الموسيقى والطب والتشريع والفلك"..
.من ذلك يتبين كم كان يطلب فيتروف من معاصريه الرومانيين كثيراً من المعارف فكأن المهندس المعماري يجب أن يكون ملماً بكل مسائل الكون وأن يكون دائرة معارف وافية.
.• الفن والصنعة: وسواء في العصور القديمة أو أيام فيتروف أو أي عصر آخر فالنظرة إلى المهندس المعماري ظلت واحدة – رجل فن وصنعة وعلم واسع ، رجلاً إجتماعياً وعالمياً – ففي عصر الأحياء كتب ليون باتستا البرتي في ذلك الموضوع فطالب المهندس المعماري أن يكون ملماً بالكثير من الناحيتين النظرية والعلمية فقال "العمارة شئ جليل وليست في مقدور كل إنسان ، إذ لابد لمن يكون جديراً بلقب المهندس المعماري من مواهب ممتازة ومعارف واسعة وخبرة وتجربة وافرة وصدق في الحكم" وكان يشدد في أهمية معرفته بالتصوير والعلوم الرياضية وبعبارة أخرى "بالفن والصنعة" أو "الفن والهندسة" فكلاهما كانا ولا يزالان القطبين الهامين في عمل المهندس المعماري.
.ومنذ عهد الأحياء وهذان القطبان يتجاذبان العمارة، ففي العصور الزاهرة كان الإئتلاف بينهما بارزاً ، وبالعكس في عصور الأضمحلال كانت المشكلة والخلاف قائماً بينهما ومما يؤسف له أن الخلاف بينهما كان شديداً في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فقاست العمارة كثيراً من خلافهما. فالبعض كان يرى المهندس المعماري فناناً قبل كل شئ ، والبعض الآخر كان متمسكاً بالوضع الآخر ولا يرى فيه سوى رجل صنعة ومهندس بالمعنى المعروف من ذلك، وقد نتج من التخبط بين الرأيين أن المهندس المعماري الكامل كان مفقوداً في هذا العصر.
. إن المسألة أبسط من أن تكون موضع خلاف، ومع ذلك فتلك المشكلة تتجدد من حين لحين. ففي عصرنا الحديث احتدم الجدل فيما بعد الحرب الكبرى بين الرأيين كل يريد أن يصبغ به الفن الحديث المعاصر. فتلاميذ مدرسة القرن التاسع عشر تمادوا وبالغوا في المطالبة بتغليب الفن، كما تمسك أبناء المدرسة الحديثة بالدور الذي تلعبه الصنعة والهندسة وطالبوا بالتخلص من سيطرة الفن البحت ليخلو المكان تماماً للجانب الهندسي وللصنعة، وكانت صيحتهم هذه داوية على أثر ظهور مواد حديثة وطرق جديدة في إنشاء المباني أثرت لدرجة كبيرة في فن العمارة.
. والعمارة وحدها هي التي تخرج من هذا الخلاف خاسرة. والصحيح أن القطعة المعمارية الكاملة يجب أن تكون بالغة حد الإتقان في الفن، فعلام الخلاف والإتقان في الصنعة لا يتنافى مع الإتقان في الفن، وكلاهما متمم للآخر في عمل المهندس المعماري.
.• الإبتكار والتجديد: على أن تبعات المهندس المعماري في عصرنا الحديث أصبحت أكبر بكثير من موقف وتبعة زملائه في الأزمنة السالفة كما أن مهمته أصبحت أكثر صعوبة، وعليه قبل أن يمسك بالقلم أن يفكر طويلاً في مسائل كثيرة، وأن يدرس اعتبارات متنوعة، لم يكن لها وجود قبل اليوم، فتقدم الصناعة أمد العمارة بمواد جديدة عليه أن يتفهم أسرارها ويدرس الطرق التطبيقية لاستعمالها واظهار جميع مزاياها من ناحية الجمال الفني
. كما أن الاعتبارات المعمارية والمطالب اللاحقة بكل مبنى حديث لم تعد محدودة كما كانت في الماضي، فقد تنوعت المنشآت العصرية وتعددت طرق انشاء المباني وأصبح اهتمام الناس بتوفر أسباب الراحة و بالكماليات اهتماماً جديداً كما أن الاعتبارات الاقتصادية والمالية أصبحت تتدخل في فن موضوع البناء بشكل ظاهر، كما أن للأحوال الإجتماعية والسياسية مقتضياتها وآثرها الملحوظ في كل ذلك. مضافاً إليه ما يجب على المهندس المعماري من احترام قواعد الفن وأصوله واظهار المبنى في جمال يبهر البصر من أول نظرة ويثير عاطفة الإعجاب. فالفنون على الإجمال وفن العمارة بصفه خاصة ليس أسير هوى شخصي، وإنما هي لغة يفهمها الجميع. فليحذر المهندس المعماري من أن تطفي شهوة طارئة على اعتدال تفكيره فيهتم بناحية دون أخرى فإنه لن يمضي زمن قليل حتى تنقشع هذه الشهوة فتتغير درجة الإعجاب بالمبنى وقد تتحول إلى العكس. واننا لو نظرنا في مجموعة الآثار الخالدة لما وجدنا للشهوات الطارئة مكاناً وإنما تشهد جميعها بأن المنطق أقوم أساس وسبيل تستند إليه سبيل لا يخطئ ولا تغزوه الأهواء، سبيل الخلود.فلنتخذ من المنطق أساساً في تفكيرنا المعماري وفي ابتكاراتنا حتى ولو كان هذا التفكير منصباً على خلق فن جديد أو أحياء فن قديم.
. • التاريخ والتقاليد: وإذا تكلمنا عن الإبتكار والتجديد في العمارة فللتقاليد سلطانها ولدراسة المخلفات القديمة أثرها وفائدتها. فمخلفات الماضي إنما هي مصدر رئيسي ومرجع هام للإبتكار والتجديد، والمعرفة بهذه المخلفات هي التي تمد من خيالنا وتهدينا وتردنا عن الحيد والضلال. إن أعمال السالفين هي التي هدت من جاؤا بعدهم فأخرجوا للمعمار روائع فنونه. وها هو "مايكل أنجلو" ذلك الفنان الإيطالي الخالد لم يوقف في كنيسة القديس بطرس إلا مستلهماً لأجمل ماشيده سابقوه من كنائس وقباب.
. ها هو التاريخ يعيد نفسه يدلنا على أن العباقرة والنابغين الذين برزوا في فن العمارة لم يكونوا في كل ما أنشأوه دعاة انقلاب أو ثورة على الماضي وإنما كانوا حلقات في تطور الفن وتشعب أغراضه منتقلين به من نموه الهادئ من عصر إلى آخر، فمهما كان المهندس المعماري عبقرياً فإنه لم يجني من عمله سوى الفوضي إذا ما حاول أن يقتلع القديم من جذوره أو أن يضرب عنه صفحاً ليغرس مكانه "فناً" جديداً مختلفاً عنه كل الإختلاف. فالهوى الشخصي والتجاوز عن – المنطق والمألوف قد يخلفان شيئاً غريباً ملفتاً للنظر ، ولكن ليس معنى هذا أنه يبعث على الثقة والتقدير والإحترام، وإذا كان نجاح المهندس المعماري موقوفاً في الكثير منه على الجمهور فإن هذا النجاح يتعرض لخطر كبير إذا ما قدم لهذا الجمهور ألغازاً غير قابلة للإدراك، فالجمهور لا يعجب بمجموعة ما إذا لم يكن كل شئ فيها قائماً في موضوعه ، ومؤدياً الغرض من وجوده.
. وعلى العموم فالفن ليس جامداً وليست الأشكال المعمارية جامدة، وإذا كان على كل فنان أن ينفخ في هذه الأشكال بروح جديدة فستظهر في ثوب جديد. أما أنكسار الماضي فمعناه القضاء على المستقبل. والفنان الذي يتوهم أن من الممكن أن يزاول عمله ويبتكر يجدد فيه دون أن يقف على تاريخه وقواعده وأصوله فقد شبهه ليوناردو دافنشي "بالملاح الذي يخرج إلى اليم بدون بوصلة تهديه أو مجداف يساعده لا يبالي إلى أي اتجاه ستقذف به الامواج" ولا ريب أن من يمارس فناً عالياً كفن العمارة لا يكفيه المراس والتمرن فحسب ،بل لابد له من إعداد خاص ودراية يكتسبها من العناية بتربية ملكاته وصقل شخصيته وتزويده بكل ما يتصل بالعمارة من فنون ضرورية وعلوم.
. وإذا كانت الطرز المعمارية تتطور وتتغير بإختلاف الزمان والمكان والعوامل المؤثرة في العمارة وما يطرأ عليها، وكان ابتكار طراز جديد معناه خلق أشكال جديدة تتفق مع الظروف الجديدة المؤثرة في العمارة ، فلابد لإمكان خلق أشكال جديدة من معرفة الأشكال القديمة ومن الإلمام بتاريخ العمارة الطويل وما خلفه لنا السالفون ومن الخطأ بل من البلاهة الإعتقاد بإمكان خلق طراز جديد كامل مرة واحدة ومن لا شئ.
. كذلك من الخطأ التوهم أن الأشكال الفنية المعمارية انما هي نتيجة حتمية لصنعة البناء أو أن هذه الأشكال تسير سيراً أعمى طبقاً لإختلاف طرق إنشاء المباني، ولو كانت الأشكال الفنية المعمارية متوقفة على طرق إنشاء المباني فحسب لكانت في كل ضروبها واحدة في كل مكان، ولبعثت على منتهى السأم والملالة.
. ان المهندس المعماري مطالب بخلق أشكال معمارية ممتازة قوية في التعبير وافية في الجمال مطالب بأن يسعى لهدف ثابت هو المثل الأعلى في العمارة ولن يصل إلى ذلك عفواً إذ عليه أن يتخلص في كفاحه من وسوسة العوامل المادية وأن يقدم المصلحة العامة دائماً على المصلحة الشخصية، وأن يستعين بالثروة المعمارية الكبيرة التي خلقتها الحضارة البشرية في العصور القديمة والحديثة بعد دراستها وفهمها.
. لذلك كان لزاماً في تكوين المهندس المعماري من أن يكون ملماً إلماماً تاماً بتاريخ العمارة وطرق الإنشاء المعماري التي مضت من سبق من أعلام العمارة فخلفوا آثاراً باقية. وليس المقصود هنا هو التقليد تقليداً أعمى، وإنما السير على هدى الماضي وبصيرته وعلى ضوء التجربة لخلق صور وأشكال جديدة. ولقد كان ذلك كله حافزاً لي على الإلحاح في العناية بدراسة تاريخ العمارة الإسلامية والفنون المصرية ووضعها في المكان اللائق من برنامج مدرسة الفنون الجميلة العليا، ونحن اليوم على أبواب حركة استقلال معماري ونهضة قومية عامة.
. وإذا كان لبعض الشعوب أن تعتز وتفتخر بما خلفه أجدادهم من الفنون القديمة أو فنون عصر الأحياء، فإن علينا أن نشاركهم فوق الإعتزاز بتلك الفنون كأعضاء في العائلة الإنسانية العالمية بإعتزاز كمصريين بما خلفه أجدادنا من فنون اسلامية زاهرة وفن مصري قديم خالد. فليكن ماضينا المعماري حافزاً لنا وإنما على السير إلى الأمام في طريق التجديد والإبتكار والإتقان.
.• الطرز المحلية: ولدراسة الأشكال المعمارية أهمية كبرى في خلق التناسق بين المبنى الموحد وما يحيط به، ولا يكفي أن يكون المبنى الواحد لا تخل أحجامه بتناسق المجموعة وإنما يجب ألا يغيب عن البال عند دراسة أشكال المبنى الخارجية دراسة الأشكال والطرز الخاصة بالأبنية المحيطة به حتى يخرج المبنى الجديد متماشياً غير متنافر مع الأشكال السائدة في منطقته، اللهم إلا إذا كان معروفاً عند تشييد المبنى الواحد أن ما يحيط به سيتناوله تغيير منتظر معروف وتبديل. ومع ذلك فالواجب دائماً أن نحذر من خلق اضطراب في الجمال المعماري على حساب المباني المجاورة – والأقدم عهداً.
. على أنه إذا لم يكن الهين أن يتمشى المبنى الجديد مع طراز ما حوله من قديم لأن روح العصر ونظرته في الحياة وذوقه قد أصبها التغيير، فلابد إذا كان للمدينة جو خاص يسوده الاعتبار التاريخي وكان فيها من المخلفات الأثرية ما يكسبها جواً خاصاً – لابد من الحرص وعدم المساس بذلك الجو واحترامه احتراماً كلياً.
.وذلك الجو الذي أقصده ليس فقط ما تهيئه المخلفات الأثرية بل وما يحيط بها أيضاً من أبنية قديمة العهد أو ذات طابع خاص أكتسبت منه المدينة طابعها وجوها المعماري الخاص.
. يتبين من كل ذلك أهمية التقاليد والطرز المحلية والجو التاريخي وطريقة الإحتفاظ بالمخلفات الأثرية والجو السائد في المنطقة وما يطرأ – أو ما ينتظر أن يطرأ – من تغيير وتبديل في تخطيط المدينة ومظهرها العام.
.ومعرفة مدى هذا التبديل المنتظر والتغيير المتوقع. فكل هذه الإعتبارات تؤثر تأثيراً جوهرياً في الجمال العام لمجموعة المباني أو المدينة. وبالتالي في الجمال الخاص للجزء أو المبنى الواحد. ومهمة المهندس المعماري أن يخرج من كل هذه الإعتبارات بحل لا يتنافى معها.
.• تخطيط المدن: لعهد غير بعيد لم يكن في العالم من العواصم الكبرى غير العدد القليل حتى جاء القرن التاسع عشر ثم العشرون فإذا بالعواصم الكبرى تتزايد حتى تصل في عددها إلى العشرات. ومجموعة المباني عندما تصل إلى كونها مدينة ، وتزيد عاصمة كبرى تزيد المشكلة تعقيداً كما تزيدها أهمية. وتبدأ الصعوبة في الوصول إلى حل موفق للجمال العام ، وطبعاً يحتاج تذليلها إلى دراسة كبيرة. ويكون موقف المهندس المعماري أكثر دقة وصعوبة عندما يرى أنه ليس من الهين في سبيل الحصول على الجمال العام أن يستبعد قديماً أو يتخلص من أخطاء سابقة وعندما يفكر إلى جانب هذا في تحديد مستقبل العاصمة ورسم طريقة لتنفيذ الخطوات القادمة التي يتوقعها عن تقديم المدينة ونموها في المستقبل.
.وليت الصعوبة في ذلك قاصرة وحدها على الهندسة المعمارية للعاصمة بل هناك عوامل أخرى تتطلب الحال دراستها في نفس الوقت. ومن هذه العوامل طبيعة طبقات الأرض في المنطقة المختارة ووسائل تغذيتها بالمياه وطبيعة جوها وما تحتويه من زرع وما يتصل فوق ذلك بالصحة العامة والعوامل الإجتماعية والنفسية المنتشرة بل والعوامل الاقتصادية سواء منها الاقتصاد الفردي أو العام .... إلى غير ذلك من العوامل الكثيرة التي تتنوع بتنوع الظروف والمناسبات.
. وإذن فالمهندس المعماري مطالب بأن يكون ملماً بتخطيط المدن عارفاً بأصولها ولوائحها قادراً على القيام بها إذا طلب منه تخطيط مجموعة كبيرة تدخل فيها برمتها وشوارع وميادين وحدائق ومبان متنوعة. وسواء طلب منه إقامة وحدة بذاتها أو مجموعة كاملة فهو مطالب بالمحافظة على الجمال المعماري العام، وأن تكون الوحدة سليمة من الوجهة الفنية وكذلك المجموعة، فالمطلوب أن لا تؤثر سلامة وحدة من وحداتها الفنية في سلامة الأخرى. وأن يكون هنالك تناسق في الابعاد والنسب والأشكال ، وأن تكون هناك علاقة بين الكتل المعمارية بعضها ببعض وبينها ما يحيط بها من فضاء كل ذلك مع تقدير أهمية الموقع وصبغة المباني ودرجة أهمياتها.
. • الخبرة العلمية: ولا ينبغي أن يكون المهندس المعماري قادراً على وضع تصميمات المنشآت التي يعهد بها إليه ، وانما يدخل ضمن واجباته تعهد المبنى ومباشرة الأعمال التي تقوم لإنجازه طبقاً لرسوماته وللمواصفات والشروط التي وضعها. وإذن فلابد له من خبرة كافية في كافة نواحي انشاء المباني.
. وإذا كان من الصعب أحياناً أن تصل معلومات المهندس المعماري لدرجة التعمق في كل ما يتصل بعمله من علوم وفنون وصنعة ومواد فيجب على الأقل أن يكون واثق الالمام بها دون حاجة إلى أن يكون اخصائياً في كل منها.
.يجب أن يكون لديه من العلم ما يساعده على فهم الاخصائيين المتصلين بعلمه حتى يحسن الاستفادة من الرجال والمواد على السواء. فالمهندس المعماري أو بعبارة أخرى المشرف العام على المشيدات من مبان ومدن يجب أن تكون معارفه واسعة بحيث تساعده على فهم كل شئ دون أن يحتاج لمعرفة كل شئ – والجهل بالشئ لا يشجع على الاقدام كما أن الاقدام عن جهل شر كبير.
. والواقع أنه إذا كان لابد لانجاح عمل ما من أشخاص مختلفين فإن هذا التعاون لا يعطي الثمرة المطلوبة الموفقة إلا إذا تمت تحت إشراف شخص واحد وروح واحدة توفق بين الجزيئات وترسم الطريق الموصلة لأحسن نتيجة والمهندس المعماري في الأعمال المعمارية هو الوحيد الذي يعهد إليه تمثيل هذا الاشراف
. والمهندس المعماري لا يمكن من أن ينتج انتاجاً سامياً وهو بين جدران موسعة، وانما عليه أن يتصل بما حوله وأن يدرس الحياة المحيطة به بأوسع معاني الكلمة فيتفهم ما يجري حوله من حركات فكرية وآراء وكفاح واتجاهات وأن يكون في كل أدوار حياته وثيق الاتصال بمن يعمل من أجلهم على اختلاف درجاتهم الإجتماعية.
. قد يبدو وقد أحطنا هنا بما يجب توفره في المهندس المعماري أن من المستحيل أن يتجمع لفرد كل هذا العلم والعرفان. ولو شئنا اجابة صحيحة عن المهندس المعماري الكامل وما تجب عليه معرفته لقلنا بوجوب المامه بكل شئ تقريباً. وأن يكون دائرة معارف واسعة تشتمل علوم النفس والاجتماع وطبيعة الأرض والكون وأصول الاقتصاد الفردي والسياسي وقواعد الإدارة والتشريع ، يضاف إلى كل ذلك أن يكون فناناً بطبيعته وتكوينه وعلى علم تام بأصول العمارة وقوانينها – ونظرياتها وبمواد البناء وطرق استعمالها المختلفة فوق المامه بعلوم كثيرة أخرى.
. والمسألة بعد ذلك هل يتاح للمهندس المعماري أثناء دراسته واعداده لمهنته أن يصل إلى كل هذا العلم والعرفان أن واجب المدرسة أن تمهد له الطريق وتنير له السبيل. والمدارس العليا ما أنشئت إلا للتخصص، وإذن فبرامج التعليم في كل المؤسسات والمعاهد حيث تدرس العمارة ينبغي أن تكون جامدة كما يجب أن تتمشى مع روح العصر مهيئة لأبنائها من العلم ما يساعدهم على تحل المسئولية المعمارية بقدرة وكفاءة.
. لهذا وحده كنت حريصاً في السعي المتواصل وفي تأييد كل سعي آخر للتوسع في مناهج الدراسة بمدرسة الفنون الجميلة العليا. وإذا كنا قد نجحنا في الخطوات الأولى فما يزال المجال كبيراً. كما أرجو أن يتيح المستقبل فرصاً أخرى في سبيل الكمال ، أولها عندي الدراسات العملية فيتعرف الطالب مدى تطبيق الدراسات النظرية والتصميمات واحتمالات التنفيذ مع اعداد الطالب القيام بواجبه في الحياة العلمية على أكمل وجه. كذلك تنظيم محاضرات عامة اضافية من نخبة من رجال الأعمال المجربين والإخصائيين فيما يتصل بالعمارة من علوم وفنون شتى.
. بل كم كنت أتمنى أكثر من ذلك لو أن الدراسة المعمارية تمتد إلى المصالح التي يبدأ المهندسون المعماريون حياتهم العلمية فيما بعد المدرسة. فما يؤسفني أكثر من تلك النظرة الضئيلة التي يخص بها المبتدئون. فلا يعهد إليهم إلا بالتافه الممل من الأعمال في مكاتب التصميمات ومراقبة الإنشاءات مثل مجرد الشف على الكلك أو محض الملاحظة المحدودة، وكان الأجدر بالإدارة العمومية أن لا تنظر للمهندس المعماري المبتدئ نظرة صغيرة مستمدة من وظيفته أو درجته ، وإنما نظرتها إلى من يجب مساعدته على اتمام تربيته ومرانه بعد المدرسة، والفائدة التي تصيب المهندس المعماري الناشئ تعود دائماً على الإدارة التي يعمل بها، وأن رأيي الشخصي أن من واجب هذه المصالح أن تطلعه على كل أسرار العمل متنقلة به بين كل الأقسام في مدد محدودة قبل أن تستقر به في اختصاص معين . وليس من شك في أن المامه عن هذا الطريق بأعمال الأقسام المختلفة سيجعله أقدر على القيام بعمله الخاص كما ستكون فائدة للمصلحة التي يعمل بها تامة متسوفاة.
.• الأخلاق: المهندس المعماري ، ذلك الرجل الذي جعل قلمه السحري من الكرة الأرضية عالماً عامراً، وحول على يديه الجبال والأنهار إلى ممالك ومدن وعواصم أهلت جميعها بالسكان وانتظمها النشاط البشري. المهندس المعماري واجباته في المهنة على قدر أثره في الحياة فإذا كان هو المبدع الذي يدرس على الورق ما أبدع وأبتكر متعمقاً في تلك الدراسة ما وسعه ذلك، جرياً وراء الكمال ، فهو من غير شك صاحب الحق أولاً وآخراً في أن يكون الرئيس الأعلى والمسيطر الأول والمشرف النافذ الكلمة في كل ما يتعلق بإخراج ما فكر فيه، وفي أن يكون الروح المهيمنة على التنفيذ والتشييد بأمر ويوجه ويراقب سير العمل طبقاً للفكرة التي رسمها واختطها.
. وبنفي الروح التي سيطرت عليه في موسمه أثناء دراسة الفكر والمشروع يجب أن يهديه حبه لعمله وإخلاصه المطلق لفنه فيسير على أحسن العلاقات مع من يتصل بهم أثناء عمله ومن يتعاون معهم على إبراز فكرته مجسمة في البناء الذي يشرف على إقامته. وعليه أن يفهم العامل وبذلك يحسن التفاهم معه، وأن يحنو عليه في جو من العطف وحسن الإدراك. فنحن المهندسون المعماريون خدام للفن الذي يخدم الإنسانية وذلك أكبر فخراً وأصدق مظاهر الجدارة التي ترفعنا إلى أعلى مراتب الهيئة الإجتماعية.
.والمهندس المعماري بطبيعة إختصاصه هو المشرف الأعلى على العمل . وذلك يتطلب أن يكون لديه من أخلاقه ومن صفات الصبر والحلم والشجاعة ما يمكنه من السيطرة والهيمنة المطلقة على عمله ومن حسن توجيهه بعدل وقسطاس، وأن يكون ذا قلب مشرب المعاني الإنسانية فلا بدر منه ما يبغض الناس فيه أو ينفرهم منه، وأن تكون إرادته كفيلة له بتحقيق ما يصبو إليه وأن يكون ذا بصيرة قادرة على إدراك ما حولها ، بصيرة نفاذة لا تقصر، فهي تتحرر دائماً من العقبات لإستنباط الحل المناسب لكل ما يبدر من الأمور لأول وهلة أنه مستعص ومستغلق. كما يجب عليه أن لا يدخر وسعاً في تفهم كل ما يجري في مكان عمله وكل ما يتصل بالتنفيذ، فالخبرة والكفاءة العملية لا تكتسب إلا بالمران في محل العمل وبالإتصال المباشر بالعمال وأرباب الأعمال ورجال الصناعة وكل من لهم شأن أو صلة بأعمال العمارة. نحن المهندسون المعماريون إنما نهب الحياة والجمال للأشكال المتناثرة والمواد الجامدة، ومن وحينا نحن يتولد من هذه الأشكال والمواد ما يرضي الشهوة الإنسانية سواء كانت مادية أو نفسانية، ويتهيأ للإنسان من الفراغ مكان يطمئن إليه ويعتز به.
. مهنتنا تحتم ثقافة عالية، وعلماً لا تسعه الحدود، وهي مع استنادها إلى العلم والثقافة لاتنفك تستلزم قوة التصور والخيال ، وسمو الروح والفكرة والمقدرة على التجديد والإبتكار. نعم ولا جدال في ذلك فنحن الذين نجعل من الخيال حقيقة ، ونكسب الحقيقة جمال الخيال. نحن الذين نحقق الخيال.
. مهنتنا ملتقى كثير من المهن ، نتصل بالعمارة أو المواد، كما نتصل بالحركات الفكرية الروحية في تطورها وفي استقرارها. وبذلك يتحقق لن أن نمثل التوازن فنعطي كلا من الناحيتين المادية والروحية حقهما. ممسكين بناحيتي الروح والمادة امساك الجاذبية بين قطبين لا يعيش أحدهما بدون الآخر. قطب موجب هو قطب البناء والإنشاء، وقطب سالب هو قطب التأمل والتفكير وما يستتبع ذلك من إبتكار وتجديد وإتجاه في الفن وجهة صحيحة.
. فنشاطنا يشمل كل ما يمكن أن يقام من المباني مهما كانت غاية المبنى، ومهما كان إتصاله بأي غرض من أغراض النشاط البشري في مختلف نواحيه، وذلك مما يستدعي إتصالنا ومعرفتنا بسائر نواحي هذا النشاط وكل ما تخرجه الأرض أو تقدمه من مواد.
. وعلى ذلك أستطيع أن ألخص ما يجب أن يتوفر في المهندس المعماري فيما يأتي:
. أولاً – الفن المعماري وما يتصل به من أصول وفنون.
. ثانياً – الصنعة المعمارية وما يتصل بها من علوم ومواد.
. ثالثاً – العلوم والمعارف المتصلة بالحياة والنظام الإجتماعي وعلوم النفس والإقتصاد وغيرها.
. رابعاً – الخبرة العلمية.
. خامساً – الأخلاق والصفات المعنوية.
دكتور سيد كريم
مقالات سابقة ---------->




سجل الزوار مقالات اخرى شهادة حق الصالون مصريات العمارة والفنون السيرة الذاتية الصفحة الرئيسية