مقالات بقلم الدكتور سيد كريم
نصف ساعة عن الفيلا
الفيلا أو المسكن المنفرد هى أقرب أنواع المبانى الى الانسان أو الجحر ألاول فى أساس فن العمارة ... لقد نشأت لسد حاجة من حاجاته الضرورية ... فبدأت معه على شكل كهف عند ما عاش فى العصور الحجرية وكانت حاجته تنحصر فى ايجاد مكان يقيه من العوامل الجوية وتحميه من هجمات الوحوش الضارية . ثم تطورت معه تبعا لتطور مطالبة فكلما زادت تلك المطالب كبر برنامج مسكنه. ولما كانت مطالب الانسان دائما فى تغير تبعاً لتطور الحالة الاجتماعية والاقتصادية فى العالم فستيقى الفيلا أو المسكن وبرنامج مطالبه دائماً فى تغير. فمسكن الماضى لا يفى بمطالب اليوم أو مطالب العصر الحديث كما ان مسكن العصر الحديث سوف لا يفى بمطالب الغد وهذا هو الفرق بين الفيلا والمبانى العامة والتذكارية والدينية. فمن الخطأ أن يظن المعمارى أن المسكن الذى يبنيه يجب أن يعيش الى الأبد .... أو لكى يفى حتى بمطالب الجيل القادم.
ان المثل الأعلى الذى ترمى اليه الفيلا هو مطابقتها لحاجيات الانسان الاجتماعية وملاءمتها التامة لحياته فلاعجب اذا تطبعت فى كل عصر بأخلاقه وجسمت عاداته وعبرات عن مطالبه فسجلت على صفحاتها مبلغ ثقافته وحالته الاجتماعية لقد بنيت الفيلا فى كل عصر من العصور وفى كل بقعة من بقاع الأرض فقامت بواجبها خير قيام فاذا وجد بها الانسان مرة شذوذاً أو ابتعاداً عن الحياة فقد كان هذا الشذوذ وتلك التقاليد من مميزات العصر الذى وجدت فيه.. كان ذلك الشذوذ فى عادات الانسان وتقاليد المصطنعة فاذا ألقى الانسان نظرة سريعة على الفيلا فى العصور التاريخية المختلفة والدور الذى لعبته نحو ساكنها ونحو المجتمع نجد انها بقيت طول الوقت فى شد وضغط بين مطالب الانسان الحيوية وقيود العصر الاجتماعية مرة تغلبت الأول وظهرت الفيلا كمسكن أدى غرضه نحو الحياة ومرة تغلبت الثانية فخرجت الفيلا عن حقيقتها لكى تظهر بمظهر آخر أخفى حقيقتها .
ان النظرة التى سأحلل بها تلك المساكن الطرازية القديمة والتى تعد كنموذجا لمبانى تلك العصور الماضية تختلف عن النظرة التى وصفها بها تاريخ العمارة...
قد يقول الكثيرون انه ليس هناك نقد جديد يمكن توجيهه الى تلك الفيلات الطرازية المشهوؤة فقد كتبت عن كل منها المؤلفات العديدة والتى لم تترك سنتيمتراً واحداً الا وصقته... وصفت كل فتحة وكل حلية وكل كورنيش... وصقت جمال المساقط ونسب الوجهات... وصقتها مع المعابد والهياكل والمقابر جنباً الى جنب فاتفقت فى النهاية بأنها تحفاً فنية جمعت جمال النسب فوضعت النظريات الثابتة لابعاد كل حلية وكل كورنيش. وصفت سر الجمال فى سحر محاورها وتوزيع الفتحات وأشكالها وابعادها بالنسبة لتلك المحاور... ومع ذلك فلم تتعرض الى أهم شىء يمكن أن يوضع محل البحث. بحثت كل شىء الا حقيقة المسكن والغرض الذى بنى من أجله.. تجاهلت أن الحكم على المبنى الذى يبنى للقيام بواجب نحو الحياة هو كالحكم على الآلة فليس الحكم على شكلها ومظهرها بل الحكم لها أو عليها تبعا لما تحتاجه من وقود وما تعطيه من انتاج..فهل نجحت تلك الفيلات بالقيام بواجبها؟. هل هى تصلح للسكنى؟. هل روعى فى تصميمها أن تقوم بواجبها كمسكن؟
ان تتبع فن العمارة فى التاريخ يمكن الانسان من ملاحظة مظاهر محسوسة فى تاريخ تطور المسكن وفى فترات انتقاله من عصر الى عصر وهى انه بعد عصور عدم الصراحة والغموض والتقيد أو تقييد المسكن تيعا للتقاليد الظاهرية أو فى فترة الثورة التى تلت تلك الفترات يتحول الانسان بتطرف نحو الصراحة والحرية فى الاسقاط والتوزيع وكان دائما فى كل مرة يرجع الى المبانى الأثرية أو الطرازية القديمة لينقل عنها نسبها ووحداتها ونظرياتها فطراز ال Renaissances فى القرن السادس عشر أخذ وحداته وابعاده من القرون الوسطى والقرن الثامن عشر وجد له مرجعا فى الروكوكو وطراز الامبير فى القرن التاسع عشر بحث عن ابعاده واشكاله فى العصور التى سبقته.. ولقد كان المسكن فى كل من العصور موافقا لطابع العصر أو أدى واجبه نحو المجتمع ومظاهره... لقد قامت الثورة المعمارية الحديثة بعد الحرب عند ما تطورت حالة الانسان الاجتماعية تطورها المعروف فأراد المعماريون تجسيم المسكن الذى يلائم تلك الحياة الحديثة ومطالبها فحاول الكثير أن يلجأ الى الطرازات القديمة كما كان الحال فى كل عصر من العصور الماضية فحاول نقل نسبها وابعادها ثم ابتكار أشكال جديدة لها باسم الطراز (الكلاسيك) الحديث أو الفرعونى الحديث أو أو الخ... فلم يصل الى غرضه أو لم يتمكن.
وقد كان مصير جميع تلك البدع والمبتكرات الزوال لأنه نسى أن هناك رابطة قوية كانت تربط تلك الطرازات المختلفة وهى مواد البناء وطريقة الانشاء فباتحادها تتحدد النسب والأشكال. ولكن تلك الرابطة قد اختفت فى الطراز الحديث الذى نشأ فى عصر الصناعات الآلية والذى تحول فيه الانسان عن المواد الطبيعية وطرق البناء الأولية الى المواد الصناعية من خرسانة وزجاج وصلب و والخ وطرق البناء الصناعية الحديثة – لقد انتقل الانسان من عصر الى عصر من عصر الشاعرية أو الفنون الى عصر الألات من عصر المواد الطبيعية الى عصر الانتاج الصناعى من عصر الصناعة اليدوية الى عصر الصناعة الميكانيكية .
ان قصور الماضى كانت غالية الثمن فخمة المظهر... ولكنها لم تقم بواجبها كمسكن بمعنى الكلمة لقد سيطر عليها الوضع الشكلى Formalism فخرجت بذلك عن الغرض الذى وضعت له الى أن تكون معابد تذكارية قيدها الانسان بالأشكال العديمة الحياة بالمحورية والسمترية... فبعدت بالتدريج عن كونها دور للسكن وتحولت فى اتجاه المبانى التذكارية والدينية التى جعلت لسكنى العقائد والآلهة كالمقابر والمعابد التى كان الغرض منها التأثير على المتفرج عليها التأثير الغامض الذى كان الغرض منه اشعاره بأن ساكنها من طبقة معينة غير طبقة عامة الشعب أما توزيعها الداخلى أو المسكن نفسه وراحة الساكن فلم يعنى به فقد وزعت الحجرات بداجلها كيفما كانت كتلك التى حفرت فى الاهرامات لتسكنها الآلهة أو يسكنها الانسان بعد بعثه... ومع ذلك فقد قامت بمطالبه خير قيام لأن عاداته وتقاليده ومثله الأعلى كان فى طريق المظهر المستعار.
ان منزل الباروكBarrock بمحاوره المصطنعة لم يعرف شيئا اسمه الـ Orientation أو وضع المنزل بالنسبة للشمس والهواء والاتجاهات الأصلية. فالاتجاه الذى تأخذه الحجرة. والشكل الذى تتقيد به والوضع الذى توضع فيه بالنسبة للحجرات الأخرى قيده الشكل Form . فعمل لمعمارى كان رسم حلية زخرفية نسى عند رسمها وزخرفتها (عند ما سيطرت الفنون الشاعرية على جميع مرافق الانسان) نسى أن عليه أن يخطط مسكنا لا أن يرسم حلية 1-2-3 فكان يرتب الفتحات وأشكالها واتساعها تبعا للوضع الزخرفى ثم يملأ مساقطه بزخارف الأرضيات مما أنساه توزيع الأثاث بحيث يسهل استعماله... ومع ذلك فقد بنيت للسكن لكى يسكن الانسان فيها فنظرة الى قصر Sternberg والذى رسم على شكل النجمة 3 التى هى شعار العائلة قيده الشكل الزخرفى فكان التوزيع الداخلى شىء ثانوى قهناك ستة حجرات متساوية واحدة منها للصالون الكبير والثانية لصالون السيدات والثالثة للمكتبة والرابعة لحجرة الأكل والخامسة للسلم والسادسة للمطبخ. ثم ستة طرقات لا لشىء الا للفن .
عندما تحول الانسان فى الطرازات القديمة من المحورية الجافة الى المساقط الحرة وعدم التقيد فى توزيع الحجرات بالنسبة الى محاور ثابتة لم تكن مساقط مسكنه أسعد حظا من سابقتها لأنه تحول من المظهر الكلى الى مظهر الوحدات فوجه همه الى زخرفة الوحدات كل على حده فكان لكل صالون وكل حجرة زخارفها وشكلها ومحاورها وقد وصلت الحالة فى كثير من العصور المعروفة أن قام عدة معماريون معاً فى تصميم منزل واحد فوضع كل واحد منهم تصميم حجرة قائمة بذاتها لصقت بالأخرى ففى قصر Traunitz مثلا 7 وهو نموذج لهذا النوع من الأسقاط نجد أن حرية التوزيع والأسقاط لم يكن الغرض منها خدمة المبنى وساكنه فالمسافة مثلا بين المطبح وحجرة الأكل 180 مترا وبين البئر والمطبخ 250 مترا ثم وضعت حجرات النوم أقرب للمدخل من الصالونات واتجهت حجرات المنافع العامة والنخازن نحو الجنوب بينما حجرات النوم لا تدخلها الشمس بالمرة- وقد سار المنزل العربى القديم 8 فى هذا الاتجاه من التصميم وشابهه فى كثير من الوجوه الا انه كان أسعد حظاً من حيث التوزيع الاجتماعى أما من جهة التوزيع السكنى ووضع الحجرات للشمس والرياح فلم تعطى لها أى أهمية .
ومنازل الرنيسانى الايطالى فى عصر بلاديو ومعاصرية والذى امتاز بالأشكال المحورية والسمترية التى سيطرت على المسكن فنظرة واحدة الى فيلا Rotonda5 التى دوعيت فيها السمترية برسم محورين متقاطعين وأربع مدخل متساوية وأربع سلالم مظلمة وأربع حجرات وقد روعيت السمترية أيضا فى المحاور الِِِـDiagonal يشعر الانسان عند ما يفكر فى معيشة ساكنيه ان الانسان قد اضطرته الحياة الاجتماعية الى المعيشة التقليدية أو ان الانسان قد ضحى بحياته الخاصة فى سبيل المظهر المستعار ثم الى المنزل الرنيسانسى الفرنسى بمحاوره 4و6 الخادعة فالسمترية المحورية التى تنطق بها الواجهة لا يعبر عن التوزيع الداخلى كما هو الحال فى تقاليد تلك العصور حيث كان الانسان يلبس الشعر المستعار والملابس التقليدية فالشنابيك الكبيرة المتمائلة فى الواجهة تخفى التى على الجانب الأيمن منها الصالون الكبير بينما التى تتماثلها على الجانب الآخر من الواجهة تخفى احداها المطبخ والأخرى المراحيض. ثم أخذت حجرة الاستقبال شكل الاوفيس وتعادلت معه. وما يقال عن هذا المثل يقال عن كثير من من المساكن التى بنيت بعد الحرب مباشرة أو قبله والتى وجدت فى الطرازات القديمة مادة وافرة من المحاور السمترية.
ان تلك الفوضى... فوضى عدم الصراحة فى التعبير والخلط بين الطرازات كانت نواة الثورة المعمارية والتى مهدت الطريق للطراز الحديث أو طراز الصراحة عندما عرف المعمارى أن المدينة الحديثة قد سارت فى طريق واتجاه آخر غير تلك التى سارت فيها المدينات القديمة ولم يكن هذا التغير وقفاً على الحالة الاجتماعية ومطالب الانسان لكى تعطى للمعمارى الفرصة فى الرجوع الى المبانى الطرازية القديمة لكى يعهد بها تبعا للمطالب الحديثة بل كان تغيراً كاملا فى الحاجيات فى المطالب فى العادات... فى طريقة الانشاء فى المواد نفسها فقطعت الصلة أو حلقة الاتصال بينه وبين التاريخ المعمارى القديم.
عند ما ثار الانسان فى توزيع مسكنه الداخلى على القيود الفنية وأراد أن يتحرر من السمترية والمحاور التقليدية القديمة والتى هى ضد طبيعة الحياة وحركتها ظهر التطور واضحا فى ثورته 10 عندما ظهرت الطرازات الابتكارية والتى قيد مبناه بأوضاع وأشكال ضد المنفعة أشكال متطرفة فى سبيل كسر السمترية ولكنه لم يلبث أن تحول عنها بالتدريج عند ما سار نحو الاستقرار عند ما عرف أن أمامه برنامجا اجتماعيا جديداً ومطالب معاشية جديدة ستوزع مساقطه الداخلية توزيعاً جديداً ومواداً وطرقاً جديدة للانشاء ستحدد شكلا جديداً لمبناه.
ان من الخطاً أن يظن الانسان أن عدم التقيد بالمحاور والقيود الزخرفية فى رسم مساقط الفيلا الحديثة قد سهل عمل المعمارى... بل بالعكس فانها قد صعبت عليه عمله وزادت من مسئوليته فذلك البرنامج الحديثة الذى تضاعفت مطالبه وتقيدت مساحته والذى تحرر من الرداء الشكلى والزخرفى المستعار ليظهر على حقيقته فلم يصبح رسمه كرسم حلية جمالها هو جمال محاورها ونسبها المرسومة وأشكالها المبتكرة بل أصبح حله كحل أى آله من الآلات وهو مسئول عن الانتاج... لم يعطه البرنامج الحديث فرصة أو حرية للتبذير والتلاعب بالمساحات بل قيده بالتوزيع والمساحات تبعاً للمطالب فأصبح مسئولا عن كل سنتيمتر فى مساقطه... عن توزيع فتحاته بل وابعادها وأشكالها عن المنفعة وراحة الساكن عن الصحة ونوزيع الهواء والشمس .. عن تسهيل الخدمة الداخلية تبعاً للحالة الاقتصادية... عليه أن ينقى المنزل من كل المعقدات التى لصقتها به الطرازت... طلب منه فوق ذلك أن يكون منزله جميلا بدون اخفائه تحت ستار من الزخارف... طلب منه أن يجسم الحياة فى ذلك المنزل لا أن ينحصر عمله فى نقل الأوضاع والأشكال الموروثة والمنقولة عمن سبقوه والتى كان يحفظا ليطبقها كما هى... عليه أن يضع نسباً جديدة أن يخلق نسباً جديدة تقيدها المنفعة والصراحة فى التعبير. فخارج المبنى يجب أن ينطبق على داخله وما يخفيه خلفه وان يجمع كلاهما انسجام Harmonie يتفق مع العصر الحديث ومطالبه واحتياجاته .
كما ان عمل المعمارى لا ينتهى بوضع برنامج التوزيع الداخلى للفيلا تبعاً لمطالب الساكن والاحتياجات الاجتماعية العامة فان عليه بعد ذلك عمل آخر أكثر أهمية وهو دراسة الحالة النفسية والعادات والطباع التقليدية الخاصة بالساكن نفسه حتى تتطبع الفيلا بطابعه وتجسم شخصيته وتقوم بواجبها نحوه كمسكن على الوجه الأكمل...وهذا الشرط ضرورى جداً فى بلد كمصر ليس لها طابع اجتماعى خاص ولا مطالب اجتماعية ثابتة ولا عادات وتفاليد مشتركة.
وتبعا لتطور الفيلا وطريقة تصميمها من الطرازات الزخرافية والمحاور الشكلية المستعارة الى الطراز العملى الحديث تطورت طريقة الرسوم والتعبير نفسها فبينما كان معمارى الماضى يعبر عنها برسم لوح (تابلوه) مسطحه لكل واجهة على حدة ثم زخرفتها بالألوان والسحب والأشجار ووضعها داخل اطارات زخرافية... أنتقل الى طريقة الصراحة فى التعبير كالصراحة فى التصميم فخلع عنها كل ما هو مستعار فتحول الى الرسوم الميكانيكية فى التعبير الصريح فظهرت التفاصيل المجسمة للتوزيع الخاريجى والداخلى ثم الى عمل النماذج لدراسة تصميمه دراسة فراغية وليست مسطحة. فدراسة المعمارى الحديث لميناه ووحداته تحولت من دراسة سطحية ذات بعدين الى الدراسة الفراغية ذات الثلاثة أبعاد والتى هى أساس نظريات التجسيم الفراغى.
لقد امتاز العصر الحديث عن العصر القديمة بسرعة تطوره وتغيره الاجتماعى وقد ظهر ذلك التغير واضحا فى الفيلا الحديثة وتطورها فبينما كان العمر الاجتماعى للفيلا فى الماضى يتراوح بين 100و150 عاما أصبح اليوم لا يزيد عن ثلاثين عاماً فنظرة تحليلية سريعة الى الحياة الاجتماعية فى الشرق أو فى مصر مثلا فى الخمسين عاماً التى مضت لوجد الانسان انها كافية لقلب المسكن وتخطيطه وتوزيعه رأساً على عقب فالفيلا أو المسكن الكبير أو بيت العائلة بأبنائها وأحفادها المتزوجين منهم والعزاب قد تفكك تبعا للتطور الاجتماعى الى عدة منازل صغيرة فأصبح كل متزوج يسكن وحده فصغرت مساحة المنزل وزادت الحاجة الى عمارات السكن ذات الوحدات الصغيرة... ان العائلة التى كانت تملك فى الماضى أو من نحو عشرين سنة فقط اكثر من عشرين خادما قد تطورت فأصبحت لا تملك إلا واحداً أو اثنين وكان لهذا تأثير أيضا فى التوزيع الداخلى من جهة الاقتصاد فى الحجرات والمساحات الزائدة عن الزوم... لقد أوجدت الحياة الاجتماعية الحديثة سبلا للهو والاجتماع غير تلك التى كانت فى الماضى من سينما ومرقص ومقهى والتى لا تدخل تحت حصر فاختفت بالتدريج مجالس الاجتماع والمنتديات المنزلية الكبيرة والسلاملك... لقد اختفى المطبخ القديم بحاشيته والذى كان عبارة عن مستعمرة مستقلة منفصلة عن المنزل بحوش خاص بالذبح وبئر الماء ومخازن الفحم ... ليحل محله المطبخ الكهربائى الحديث والذى أصبح كحجرة من حجرات المنزل... بل سيتطور بالتدريج ويصبح كحجرة للسرفيس فقط كما هو الحال فى كثير من الفيلات الأوروبية الحديثة حيث نقلت الحياة الاجتماعية الغذاء والعشاء من المنزل الى المطاعم العامة والتى وجد بها الانسان الحديث أو العائلة الصغيرة مطالبها بلا عناء مع توفير فى الوقت والمصاريف...
لقد اختفى الحجاب من المنزل الشرقى أو هو فى طريق الانقراض وهذا وحدة كاف لقلب الفيلا أو المسكن القديم الذى كان ينقسم الى وحدتين منفصلتين تماماً... قسم الرجال وقسم الحريم كل بمدخله وتوزيعه 009 فخلع المنزل الحجاب عن نفسه وكشف عن حجراته وفتحاتها نحو الخارج بعد ما كانت كلها تفتح على حوش داخلى .
... لقد اختفت عربة الجياد بسياسها واسطبلاتها التى كانت توضع بعيدة عن المنزل لتحل محلها السيارة الحديثة بسائقها... أو السيارة التى أصبح يقودها صاحبها بنفسه فتحول الاسطبل بمخازنه الى الجراج صغير الى وحدة متصلة بالمنزل رأسا كحجرة من حجراته على اتصال بداخله . وحلت النوافذ الكبيرة الصحية محل الطاقات الضيقة والمشربيات . لقد اختفى المغنى باريكيه وحاشيته ومجالس الشيشة والطنافس وجاليرى السيدات الذى يفصله عن الرجال حواجز من المشربية ليحل محلها الراديو وموسيقى الرقص... ... لقد اختفت الأسقف ذات قباب التهوية وفساقى التبريد والمنافذ الضيقة لتحل محلها التكييف الصناعى للجو الداخلى من تدفئة وتبريد وتهوية صناعية .
ان المنزل الحديث هو منزل المنفعة والصحة والسكن . لقد اختفت منه معظم قطع الأثاث الثقيلة التى لم تكن بالثابتة أن المنقولة بمعنى الكلمة لتحل محلها أجزاء ثابتة كالدواليب المبنية فى الحوائط وهى ما يجب أن تكون ثابتة ثم السهلة النقل كالكراسى والمناضد الحديثة الخفيفة- اختفى كثير من قطع الأثاث التى لم يكن لها عمل فى المنزل غير جمع الأتربة وتنظيفها ثم ملء أركان الصالونات الاستعراضية التى لا تفتح الا للزوار وتقفل ثانيا ولا يدخلها أهل المسكن الا لتنظيفها وترتيبها وازالة الأتربة عنها لقد أصبحت القيلا الحديثة ملك لصاحبها ومسكن له.
أن وسائل للهو والرياضة قد تغيرت فتغير بتغيرها تصميم الفيلا وتوقيعها فى الأرض بل قد انقلب التوزيع المحورى القديم رأسا على عقب . فالرياضة التى كانت فى الماضى من سبيلا من سبل اللهو قد أصبحت اليوم مستكمل من مستكملات الحياة التى لا غنى عنها والتى أصبحت فى كثير من الدول المتمدينة وحدة أساسية فى التوزيع الداخلى والخارجى للفيلا والتى يجب على المعمارى المصرى أن يوليها شطراً عظيما من الأهمية فى جو كجو مصر سواء خارج المبنى كالتنس والجولف وحمامات السباحة ةحمامات الشمس أو داخله كالبنج بونج زالبلياردو والرياضة البدنية . ولقد كان أول أثر لتلك الحياة الرياضية الحديثة أن قلبت حدبقة المنزل التقليدية القديمة والتى كانت ترسم كالحلية عديمة الحياة والاستعمال توزيع فيها أحواض الزهور على أشكال هندسية وتقلم الأشجار والشجيرات فى أوضاع محورية تبعد الطبيعة عن حقيقتها وتشمل الحياة من جمالها- لقد تطورت تلك الحديقة حتى أصبحت ملكا للساكن تقوم بسد حاجاته ومطالبه الاجتماعية . لقدأصبحت كجزء لا يتجزأ من الفيلا أو كـ (Livig room)فىالهواء الطلق فانتقلت من موضعها التقليدى امام المنزل حيث كان لا يتمتع بها الا المارة الى الحديقة الخاصة التى تجمع أماكن اللعب والجلوس والرياضة والتى أصبحت كجزء أساسى على اتصال رئيسى بوحدات المنزل الداخلية.
أن العوامل التى جسمت منزل أو مسكن الماضى (القومى) والمواد التى حددت أشكاله بطرق الانشاء والمطالب التى قيدت التوزيع الداخلى لمساقطه قد اختفت . فالطراز القومى الذى يجب أن ننادى به أو نسعى اليه لا يجب أن يتقيد بقيود الماضى وتقاليده . بل بمطالب العصر الحديثة... ولا بمواد الماضى بل بمواد العصر الحدبثة يجب أن لا ننسى أن العصر الحديث قد اختلف عن العصر القديمة فى ثقافته ومدنيته . فبينما كانت ثقافة الماضى فى دوائر مقفلة منفصلة عن بعضها تمام الانفصال كالثقافة والمدينة الصينية زاليابانية والفرعونية والأمريكية والجرمانية والرومانية التى ظهر طابعها على مساكنها إذ بها قد أصبحت فى العصر الحديث أو بدأت تسير فى اتجاه واحد... لقد أصبحت ملكا للجميع...
أن العصر الحديث عصر التكاتف لمصلحة الجميع فقد اتحدت سبل المواصلات من قاطرات وسيارات وطيارات فى جميع انحاء العالم بعد ما كان لكل دولة طرق مواصلاتها ((القومية)) الخاصة بها والتى كانت طابعا من طوابع قوميتها لقد اتحدت سبل اللهو من راديو وسينما ورقص الخ بعد ما كان لكل دولة طرق لهوها ((القومية)) الخاصة بها .. لقد اتحدت الألعاب الرياضية وتبودلت بين جميع دول العالم ... ولقد ساعد على ذلك انتشار وتبادل الصحافة بأنواعها ووجود السينما والراديو الخ... فأصبحت المسافة بين مصر وامريكا اليوم أقرب من المسافة بين مصر والاسكندرية فى الماضى...لقد بدأت العادات نفسها والأزياء تتحد أو هى فى طريق الاتحاد فاختفت ملابس العصور الوسطى الأوروبية ... والملابس اليابانية و والخ. ليحل محلها رداء دولى فلا عجب اذن اذا بدأت الفيلا نفسها تتحد فى جميع انحاء العالم فبينما كان لكل دولة فى الماضى أو لكل منطقة مواد انشائها وطرق بنائها فقد ربطتها مدينة العالم اليوم ببعضها .
فاذا كانت الفيلا اليابانية والروسية والأوروبية والأمريكية والشرقية قد بدأت تسير فى اتجاه واحد بعد ما كان لكل منها فى الماضى طابع خاص فهذا نتيجة طبيعية للتطور الاجتماعى الدولى. أما اختلاف الجو فليس معناه انه هو الذى يجدد شكل الفيلا لأن الاختلاف سيكون بالتغلب على العوامل الجوية بمواد الانشاء وطريقة توزيعها ثم بوضع الفيلا بالنسبة للجهات الأصلية Orientation .
أما الطابع الذى ستطبع به الفيلا الحديثة والذى سيحدد طرازها هو طابع العصر الحديث فقد انتقل الانسان من عصر الشاعرية والفنون والمواد الطبيعية الى العصر الصناعة الآلية والاختراعات والعلوم والتى سخرها الانسان فى جميع مرافق حياته فمكنته من السير فى رفع مستوى معيشته وبلوغ أغراضه.. تلك العلوم والآلات والاختراعات سيجد فيها المعمارى الحديث مادة وافرة لفيلته أو مسكنه الحديث للتغلب على جميع المصاعب التى تعترضه للوصول بمبناه الى المثل الأعلى.. فطراز الفيلا الحديثة سيكون طراز دولى لا طراز قومى .
لقد أعطت المعارض الدولية الفرصة للمعماريين للتبارى فى وضع فيلا المستقبل أو الفيلا الدولية... والآن بعد مرور الزمن الكافى لظهور تلك الفيلات الى حيز الوجود أو السير فى اتجاهها... لم تظهر بل أخذت الفيلا دائما اتجاها آخراً غير الذى تنبأ به المصممون... لماذا؟.. ان من الخطأ أن يظن الانسان أن اختلاف فيلا المستقبل عن فيلا اليوم سيكون فى الشكل الذى على المعمارى أن يبتكر له أوضاعا جديدة ففيلا معرض شيكاغو المثمنة 13 وفيلا معرض باريس المحورية 14 وفيلا معرض رومة المرفوعة على الأعمدة والتى أطلق على كل منها اسم فيلا المستقبل - لم يعترف بها التطور وتخطاها سائرا فى اتجاه آخر.
لقد كانت الفكرة الأساسية فى جميع تلك الفيلات ابتكار شكل جديد أو تخيل أوضاع جديدة... فالتنبؤ يجب ألا يكون فى اتجاه تطور الشكل والوضع بل فى تطور المطالب والاحتياجات ثم المواد والاختراعات. وهذه مجتمعة ستحدد شكل فيلا المستقبل .
لقد تنبأ كثيرمن علماء الاقتصاد قبل الحرب وفى الفترة التى تلتها أن مصير الفيلا سائر الى الزوال وقد بنوا تنبؤاتهم ونظرياتهم على الانخفاض النسبى الضطرد فى عدد الفيلات أو المساكن المنفردة بالنسبة لعدد السكان وقد كان ذلك نتيجة طبيعية لتدهور الحالة الاقتصادية فى معظم دول العالم وظهور المساكن الـ Collectiv من عمارات السكن الـ Appartment Houses ومساكن العزاب حيث أمكن بها تخفيض أجر السكن مع رفع مستوى المسكن نفسه على حساب المنافع المشتركة وتقييد المساحة الكلية. ولكن هذا التنبؤ بانقراض الفيلا لم يتحقق عندما انتصرت الصناعة الآلية وسيطرت على جميع مرافق الحياة الحديثة فرفعت مستوى المعيشة عن طريق انتاج الجملة Mass Production الذى سيطر على طرق المواصلات فأصبح فى مقدور كل انسان أن يمتلك سيارة أو دراجة بأرخص الأثمان بعد ما كانت العربة لا يمتلكها إلاذوى اليسار. . لقد كانت الصور الفنية والتماثيل لا تزين إلا دور الأغنياء وذوى الثروات الكبيرة فسخرتها الصناعة الآلية وجعلتها ملكا للجميع بأرخص الأسعار . ونظرة الى سبل اللهو من سينما وراديو و و.الخ وكيف أصبحت ملكا للجميع . فسيلجأ المعماريون بطبيعة الحال أو لقد لجأوا فعلا الى الصناعة الآلية لكى تحل محل الصناعة اليدوية لكى يحموا بها الفيلا أو المسكن المنفرد من الانقراض. لكى يرفعوا مستواه ودرجته مع مطابقته للحالة الاقتصادية فظهر بذلك نوع جديد من المساكن وهى التى تنشأ بواسطة الوحدات الصناعية (Prefabricated Units) فوضعت الصناعة الألية فى يد المعماريين وحداتا للحوائط ةالأرضيات والأبواب والشبابيك والسلالم والأثاث توفرت فيها كل الشروط الصحية والذوق والمتانة.. وما لم تتوفر فى المبانى القديمة ومع ذلك أمكن تقليل أسعارها حتى يمكن كل انسان امتلا كها وقد امتازت تلك المنازل فوق ذلك بالاقتصاد فى الوقت (زمن الأنشاء) فى المساحة وفى التكاليف مع توفير الراحة والرفاهية والشروط الصحية لساكنيها .
كما أن الابحاث العلمية قد وضعت (Standards) ثابتة لا لوحدات المبنى الواحد فقط تبعا للابعاد التى تحددها الشروط الصحية والمنفعة بل أيضا للمساقط الاقتصادية والتى توافق جميع المطالب والأذواق والاحتياجات وقد قطعت أمريكا شوطا كبيراً فى هذا النوع من المساكن فبنت مدن بأكملها وخاصة فى كاليفورنيا تليها المانيا والروسيا والسويد وهولندا.
والآن عودة الى الفيلا فى مصر وفى أى اتجاه هى تسير... وهو ما حدا بالكثيرين ممن يغيرون على سمعة الوطن بالنداء بحاجتنا الى طراز قومى . وبأنه يجب أن يكون لمسكننا طابع قومى - ولقد وجد هذا النداء فى كل مرة اذنا صما لانه طلب فى كل مرة وصف الدواء قبل تشخيص الداء . والطابع القومى كما شرحته لم يتحدد فى أى بلد أو فى أى عصر نتيجة لمسابقات لا بتكار أشكاله أو بتحديد وحدات أشكال بجبر المعماريون على اتباعها وعدم الانحراف عنها ... ان للفيلا عندنا طابع تسير عليه أو طراز خاص بها يسير متوازيامع جميع مرافق الحياة الأخرى عندنا. فنظرة واحدة الى أى شارع من شوارعنا الكبرى مثلا واحصاء ما يقابله الانسان من أزياء الملبس فى مدة ساعة واحدة وما تحويه من تناقص والتى جمعت خليطاً من جميع أزياء العالم - ثم طرق مواصلاتنا نجد فى الشارع الواحد سيارة طراز 1939 بجانب عربة حنطور طراز 1850 وعربة سوارس بجوار الدابة والعربة الكارو... الى عاداتنا التى خلطت بين عادات جميع الشعوب وحياتنا الاجتماعية . ثم الى موسيقانا التى خلطت بين الليالى البلدية والاوبرا الطليانية وموسيقى الفالز النمساوية وو الخ. . وفى قطعة واحدة .. فالفيلا التى نشكو منها ما هى الا متواز من جميع تلك المتوازيات قد جمعت من جميع الطرازات فاخذت من العربى عقوده ومن الكلاسيك نسبة ومن الرينيسانس محاوره ومن الطراز الحديث اسمه... ان لنا طراز قومى .. ولكنه يحتاج الى توجيه صحيح فى جميع مرافق حياتنا الاجتماعية ... اننا فى فترة انقلاب سريعة ولكنها على غير أساس . ففى تلك الفترة يجب أن يتكاتف المعماريين حتى يكون فى الاستقرار الذى يليها فى طريق صحيح .. فيكون لنا طراز قومى فى زينا وموسيقانا وعاداتنا وأحوالنا الاجتماعية ... ثم فى مسكننا أو قيلتنا.
دكتور سيد كريم
Dr. Sc Techn. Architecte
مقالات سابقة ---------->




سجل الزوار مقالات اخرى شهادة حق الصالون مصريات العمارة والفنون السيرة الذاتية الصفحة الرئيسية